داء الليشمانيات قد يشعل الاستياء من اللاجئين في المدن الحدودية التركية

كان الصبي ذو العينين الواسعتين يتلوّى في مقعد الطبيب وهو يستعد للحقن في ساعده. لم يكن مختلفاً عن غيره من عشرات الأطفال اللاجئين الذين مشوا متثاقلي الخُطى إلى عيادة الدكتور تايفور سافاس في جنوب تركيا على مدى العامين الماضيين بحثاً عن علاج لمرض جلدي يسمى داء الليشمانيات.

لكن كلمات والدة ذلك الطفل ظلت محفورة في ذاكرة سافاس منذ ذلك الوقت: "هذه الندبات عار. .. يظن الناس أنه مرض معد حتى أن جيراننا لا يريدون أن يتنفسوا ذات الهواء...".

وأضاف الطبيب متذكراً الندبات الأربع التي تشبه الحفر وتمتد على طول ساعد الصبي: "ذكرت أم الصبي أن الناس يرفضون الجلوس بجانب ابنها في الحافلة".

وأضاف سافاس أن تلك كانت المرة الأولى التي يسمع فيها أنه يتم وصم اللاجئين السوريين بالعار في تركيا جرّاء اصابتهم بهذا المرض، موضحاً أن هذه القصة بمثابة تحذير يسلط الضوء على الحاجة المُلحة لمعالجة الأمراض المُعدية على جانبي الحدود بين البلدين.

وقال سافاس لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "قد تتحول القضايا الصحية إلى قضايا اجتماعية. لا نريد المجازفة بتدهور العلاقات بين الأتراك واللاجئين، فالعلاقات متوترة بالفعل".

ويعد داء الليشمانيات الجلدي أحد أكثر الأمراض المعدية انتشاراً بين اللاجئين السوريين. والليشمانيات مرض تحمله نواقل طفيلية تنتقل من إنسان إلى آخر عبر الذباب الرملي، لاسيّما في الظروف غير الصحية أو في الأماكن المزدحمة. وتتميز الاصابة بالمرض بظهور قروح كبيرة، تترك تشوهات دائمة.

كما حذرت منظمة الصحة العالمية هذا الصيف من الانهيار الوشيك للنظام الصحي السوري، واعترفت بأن الالتهاب الكبدي والتيفويد والكوليرا وداء الليشمانيات قد تفشوا على نحو متزايد داخل سوريا وبين السكان اللاجئين.

وعلى عكس داء الليشمانيات الحشوي، لا يشكل داء الليشمانيات الجلدي في العادة تهديداً لحياة المريض، ولم يدق ناقوس الإنذار كما فعلت العديد من الأمراض الأخرى. مع ذلك، قال بيتر هوتيز، عميد المدرسة الوطنية لطب الأمراض الاستوائية في كلية بايلور الطبية في ولاية تكساس أن "هذا المرض يتسبب في وصم صاحبه، وهو كارثي بالنسبة للفتيات الصغيرات على وجه التحديد، اللائي قد يواجهن مشكلات في الزواج بسبب التشوهات التي قد يتركها على الوجه والجسم. وأضاف قائلاً: "يبدو المرض أيضاً شديد العدوى، ومن المرجح أن يخشى الناس الذين لا يعرفون هذا المرض من المصابين به عندما يرون الندبات التي تركها في أجسادهم".

ويناقض الاسم المستعار للمرض "حبة حلب" الذي يعود إلى العصور الوسطى الحقيقة أنه- بالرغم من أنه كان متوطناً في سوريا وفي الشرق الأوسط لعدة قرون- لكنه كان محصوراً إلى حد كبير في المناطق المحيطة بحلب، ثاني أكبر المدن السورية الواقعة شمال البلاد. "لكن هذا المرض يرتبط أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالهجرة البشرية" كما قال هوتيز، مضيفاً أن "اللاجئين ينامون في العراء حيث لا تتوفر وسائل الحماية من الذباب الرملي. كما أن السكان ينتقلون عبر حلب التي لم تتعرض في السابق لانتشار هذا المرض وحيث الرعاية الصحية غير متوفرة بها [الآن] وهو ما يخلق بيئة مثالية تسمح بتفشي "حبة حلب".

وفي السياق ذاته، حذر تقرير صدر في شهر أغسطس من قبل الجمعية الطبية التركية من أن داء الليشمانيات قد هاجم المناطق الحدودية خلال هذا الصيف ولم تكن مستعدة له، مما يشير إلى أن المنطقة "تفتقر إلى نظام للإنذار المبكر" وتحتاج إلى رش المبيدات الحشرية بطريقة أكثر انتظاماً واتخاذ غيرها من التدابير الاحترازية في المستقبل.

خط المواجهة ضد داء اللشيمانيات

وعلى الرغم من أن استجابة السلطات الصحية في تركيا لداء الليشمانيات قد تضمنت علاج عشرات آلاف من المرضى هذا العام في المستشفيات والمخيمات التي تديرها الدولة، إلا أن معظم أعباء علاج هذا المرض داخل تركيا قد وقعت على كاهل عيادات تقع في المدن الحدودية تفتقر للموارد ويقوم عليها أطباء وممرضات من سوريا.

وقال متحدث باسم مديرية إدارة الكوارث وحالات الطوارئ في أنقرة: "نكفل رعاية صحية مجانية  لنحو 200,000 شخص داخل المخيمات".

من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بالوضع خارج المخيمات، قال صبان العجوز، السكرتير العام للجمعية الطبية في غازي عنتاب وكِلّس: "يعاني السوريون للحصول على العلاج". وأضاف شارحاً افتتاح عيادة خاصة لعلاج اللشيمانيات أقيمت في مدينة غازي عنتاب هذا العام للاجئين الذين لا يقيمون في المخيمات: "بدأت الحكومة وجمعيات الأطباء مؤخراً فقط في الاستجابة لهذه المشكلة". ووفقاً لتقديراته فإن الأطباء الأتراك في مدينتي غازي عنتاب وكِلّس الجنوبيتين قد عالجوا نحو 10,000 حالة فقط من المصابين بهذا المرض خلال هذا الصيف.

وأضاف أنه "على الرغم من أن داء الليشمانيات لم يصب أعداد كبيرة من السكان الأتراك، إلا أن المشكلة تكمن في أن الكثير من السوريين لا زالوا لا يحصلون على العلاج".

كما لا يستطيع الكثير من السوريين دفع تكلفة الحقن اللازمة لعلاج مرض الليشمانيات، ويبحثون عن العيادات التي يديرها مزيج من جماعات المعونة السورية والنشطاء التي تعالج اللاجئين مجاناً. ولا تتاقضى المستشفيات التركية بصفة عامة أجراً في حالة الرعاية الصحية الطارئة للاجئين المسجلين، ولكنها غالباً ما تقوم بتحصيل ثمن الأدوية والعمليات الجراحية التي لا تهدد الحياة.

متحدثاً من داخل أروقة الشقة المزدحمة والمرتفعة الحرارة التي تحولت إلى عيادة في مدينة كلس الحدودية المتربة، قال حسن الملوحي من ‎الرابطة الطبية للمغتربين السوريين أن عدد مرضى داء الليشمانيات في عيادته يتراوح من 4 إلى 10 مرضى يومياً، على الرغم من أن هذا العدد قد يصل إلى 30 مريضاً في بعض الأحيان.

وقد ظلت العيادة التي تديرها ‎الرابطة الطبية للمغتربين السوريين لأربعة أشهر هي المقدم الوحيد للرعاية الطبية لقرابة 3,000 لاجئ ممن يعيشون في خيام مؤقتة تم نصبها في منتزه عام تابع للبلدية في وسط المدينة. وعن هذا الوضع، قال الملوحي: "لا يستطيع هؤلاء الناس دفع تكاليف الخيام الدائمة مما يعني أنهم لا يستطيعون أيضاً دفع تكاليف العلاج في المستشفيات". وقالت الجمعية أن مخزونها من دواء "الغلوكانتيم" الأكثر استخداماً في علاج داء الليشمانيات، قد ظل متوفراً بفضل الهبات المقدمة من "منظمة أطباء بلا حدود"، المنظمة الطبية الدولية الخيرية.

ويذكر أن السلطات الحكومية قد قامت هذا الشهر بإزالة المخيم المؤقت ونقل سكانه إلى مخيم جديد يقع بالقرب من المدينة. مع ذلك، قال الملوحي: "لا تزال عيادتنا تعج بالمرضى كل يوم. والآن نعاين أشخاصاً يقيمون في أماكن أخرى في المدينة غير قادرين على تحمل تكاليف أي علاج طبي، ولذلك يأتون إلينا للحصول على المساعدة".

وفي عيادة يديرها اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية في مدينة الريحانية الحدودية، أصبح علاج داء اللشيمانيات أكثر صعوبة، وذلك في ظل نضوب مخزون الأدوية وتنامي الاحتياجات داخل سوريا.

وقال ظاهر زيدان، الصيدلي الذي يدير العيادة أن المجموعة أرسلت هذا العام أدوية غلوكانتيم تكفي لعلاج آلاف مرضى داء الليشمانيات، إلى المستشفى الميداني التابع للمجموعة في باب الهوى، التي تقع في الناحية الأخرى من الحدود. ولكن الاتحاد يقول إنه لا يملك الأدوية الكافية لعلاج المرضى الذين يطرقون باب المستشفى ويصل عددهم نحو 10 يومياً في الريحانية. وقال زيدان: " نعلم أن المشكلة داخل سوريا أكثر إلحاحاً، لذا نقوم بإرسال الأدوية إلى هناك حال توفرها".

 

 قد ينفجر الغضب فجأة وعلى نحو غير متوقع

 ولا يمكن شراء دواء الغلوكانتيم من دون وصفه طبية في تركيا بسبب احتوائه على سموم، وبموجب القانون التركي لا يسمح للأطباء السوريين كذلك بالحصول على هذا الدواء. إلى ذلك، قالت الدكتورة فاطمة صلاح التي تعمل في عيادة توجد فوق مرآب للسيارات في مكان آخر من الريحانية أن تلك القيود المفروضة على الحصول على الدواء قد دفعتها للقيام بخطوة غير عادية وهي الحصول على الغلوكانتيم من الصيدليات داخل سوريا.

وأضافت قائلة: "لم يعد هذا العرض قائماً الآن"، مشيرةً إلى أن بعض الأطباء الأتراك المتعاطفين قد قدموا دفعات صغيرة من الدواء للمساعدة في سد هذا العجز. وقالت: "لا نزال لنحو شهرين غير قادرين على علاج المرضى الذين يصل عددهم إلى نحو خمسة أشخاص ممن يأتون للعلاج من داء الليشمانيات كل يوم. وأصبحنا الآن نركز على مجرد الحصول على المسكنات، واللوازم الصحية، وغيرها من الأمور الأساسية للغاية".

تدفق اللاجئين يهدد بإجهاد البنية التحتية الطبية

ولا شك أن العبء الذي تتحمله العيادات السورية المُثقلة بالفعل سوف يزداد مع ازدياد تدفق اللاجئين إلى تركيا. هذا وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد اللاجئين السوريين الذين قد يعيشون في تركيا قد يصل إلى نحو مليون لاجئ بنهاية العام، ما يتسبب في إجهاد المرافق الصحية، ويرفع أسعار السكن ويفاقم التوترات الاجتماعية. ويذكر أن مديرية إدارة الكوارث وحالات الطوارئ في أنقرة تأوي الآن أكثر من 200,000  لاجئ في المخميات. وقال متحدث باسم المديرية أنها ستواجه مشكلات في تقديم المساعدة لنحو 300,000 لاجئ إضافي الموجودين الآن في تركيا لكنهم لا يعيشون في المخيمات.

وقال صبان العجوز الذي أقر أنه من المستبعد أن تتمكن القدرة الحالية على العلاج المجاني من تلبية الطلبات المتزايدة: "نحاول الحصول على المزيد من العلاج المجاني للأشخاص الذين يقيمون خارج المخيمات من المصابين بالحصبة والليشمانيات". وأضاف قائلاً: "في الوقت الحالي، نركز معظم جهودنا على فهم حجم هذه المشكلة" موضحاً أن الحكومة لم تتخذ بعد خطوات وقائية، مثل الرش الداخلي أو توزيع الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات.

إلى ذلك، حذرت دراسة أجرتها الجمعية الخيرية التركية لدعم الحياة (STL) في شهر أغسطس من أنه في ظل  نضوب الادخار وعدم قدرة الأسر على دفع النفقات الطبية الخاصة بها، من المرجح أن يحدث ارتفاع مطرد في الطلب على المواد والاحتياجات الطبية للاجئين الحضريين الذين يعيشون بالفعل في تركيا.

كما أنه في ظل ارتفاع الطلب بين السوريين على الحصول على الرعاية الصحية المجانية، يقول العديد من الأتراك أنهم غير متأكدين ما إذ كان يجب على المستشفيات أن تغير سياستها المتمثلة في فرض رسوم على الرعاية الصحية.

وقالت سلمى دوجانر، وهي معلمة في إحدى المدارس الثانوية في أنطاكيا: "لقد قدمنا للاجئين هنا ما يكفي". وترى دوجانر أنه ينبغي على منظمات المعونة الدولية، لا أنقرة، أن تتكفل بدفع الفواتير المستقبلية: "قد يفكر السوريون بأن رئيس وزرائنا سيدفع ثمن كل شيء. لكن نحن من يدفع جزءاً كبيراً من تلك الفاتورة".

وإذا لم تتحسن قدرة العيادات على علاج الأمراض المعدية بين السوريين مع نمو الطلب، فقد يضيف انتشار المرض بعداً آخر للوضع المتوتر بالفعل. وقد نُسبت معظم هذه التوترات إلى خطوط الصدع الطائفية بين اللاجئين السنّة وأعداد كبيرة من العلويين والعلويين الأتراك الذين يعيشون على طول الحدود. ولكن حتى بدون هذه الخلافات الطائفية، فإن الأجانب غالباً من يكونون أول من يتلقى اللوم عند حدوث أي خطأ.

وقال الطبيب سافاس مشيراً إلى تفجير الريحانية الذي أدى إلى مقتل أكثر من 50 شخصاً في البلدة الحدودية في شهر مايو: "على الرغم من أن الريحانية مدينة سنيّة، لكن سكانها بدؤوا فجأة في إلقاء اللوم عن كل ما حدث على اللاجئين. قد ينفجر الغضب فجأة وعلى نحو غير متوقع".

وأشار سافاس إلى أن داء الليشمانيات، بتقرحاته المرئية التي تبدو مُعدية، قد يفاقم المشكلة. وقال "إنه سبب آخر يدفعنا للسعي للسيطرة على الوضع". ويوافقه في هذا الرأي هوتيز، الأكاديمي الأمريكي بقوله: "إنه أحد أكثر الأمراض وصماً التي يمكن أن يصاب بها المرء".

لمزيد من تقارير شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حول التهديد الذي يحدق بالسوريين وغيرهم عبر المنطقة بسبب انعدام إمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي والنظافة العامة، انقر هنا.

nb/ha/cb-kab/dvh