لاجئون مرة أخرى: عودة الفلسطينيين من سوريا إلى غزة

تعرف عائلة أحمد الدويك الكثير عن تجربة اللجوء، فقد أصبح أفرادها لاجئين لأول مرة عام 1948، عندما فر والده من مسقط رأسه بعد أن استولت القوات الإسرائيلية على قرية البطاني الغربي قرب أشدود، التي تقع في إسرائيل في الوقت الحاضر.

ومن هناك، استقر في مخيم للاجئين في قطاع غزة، إلى الجنوب من قريته، حتى اضطرته الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1967 إلى البحث عن حياة أسهل في الخارج. فذهب أولاً إلى مصر للدراسة، ثم إلى اليمن للبحث عن عمل.

هذا هو المكان الذي ولد فيه الدويك، لكنه سعى، مثل والده، للعثور على فرص أفضل، فهاجر إلى سوريا للبحث عن وظيفة بأجر أكبر واستقر بالقرب من اليرموك، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا.

"لكن ما حدث لأبي بعد حرب عام 1967 حدث لي في عام 2012،" كما روى الدويك لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

ففي منتصف عام 2011، كان الدويك في مخيم اليرموك عندما فتحت السلطات النار على المظاهرات واضطر للبحث عن ملاذ آمن لبضع ساعات حتى أصبح الوضع آمناً بالقدر الكافي للخروج إلى الشارع. وعن ذلك قال: "كنت أعرف أن الوقت قد حان للرحيل، لكن إلى أين؟"

يواجه اليمن، حيث نشأ الدويك وترعرع، اضطرابات خاصة به، بينما صعبت عدة دول عربية أخرى على الفلسطينيين الدخول إلى أراضيها. فلم يبق أمامه سوى غزة، هذا القطاع الصغير من الأرض الواقع تحت حصار كل من إسرائيل ومصر، حيث الظروف المعيشية صعبة، ومن المتوقع أن تتفاقم، كما تشير أحدث تقارير الأمم المتحدة. ففي غزة، لا يحصل أكثر من 60 بالمائة من السكان على الغذاء بشكل آمن، ويعيش 39 بالمائة منهم تحت خط الفقر، وتصل نسبة البطالة إلى 29 بالمائة.

عاد الدويك وزوجته وطفله من بين 150 أسرة تقريباً من سوريا إلى غزة، وفقاً لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا (التي أسسها عدد من الشخصيات الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية للاستجابة لأزمة فرار اللاجئين من سوريا). ومن بين هؤلاء، تم تسجيل 154 شخصاً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

سوريا هي موطن لأكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني طردوا من ديارهم في حربي 1948 و1967. ويشعر مسؤولون في الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية بالقلق على نحو متزايد إزاء مصيرهم في الصراع الدموي في سوريا.

وكانت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا قد وثقت مقتل 990 لاجئاً فلسطينياً منذ بداية النزاع في سوريا، في حين لايزال كثيرون غيرهم في عداد المفقودين.

لجأ عشرات الآلاف إلى الإقامة مع أسر مضيفة في سوريا والمباني التابعة للأونروا أو الحكومة هرباً من أعمال العنف، وفر 20,000 إلى لبنان و5,500 إلى الأردن، على الرغم من أن طارق حمود، منسق مجموعة العمل التي نشرت مؤخراً دراسة عن تأثير الأزمة السورية على اللاجئين الفلسطينيين، يقول أن عدد الفلسطينيين الذين فروا من سوريا، بما في ذلك إلى تركيا ومصر وليبيا، قد يصل إلى 50,000 شخص.

العودة صعبة

لكن العودة إلى غزة تمثل تحدياً خاصاً، وفقاً لرئيس عمليات الأونروا في غزة روبرت تيرنر، الذي قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا نتوقع عدداً كبيراً من اللاجئين العائدين بسبب صعوبة الوصول إلى قطاع غزة".

وبعد قصف مكثف لمخيم اليرموك في شهر ديسمبر، حث الرئيس الفلسطيني محمود عباس المجتمع الدولي على مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا للعودة إلى الأرض الفلسطينية المحتلة.

لكن "لم يتغير شيء"، كما أشار عدنان أبو حسنة، من إدارة إعلام الأونروا في غزة، خلال حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

ويحتاج سكان غزة الذين يرغبون في عبور الحدود المصرية إلى وثائق سفر سليمة، ويقال أن المسؤولين المصريين يخضعون سكان غزة العائدين من سوريا عبر مصر إلى "فحوص أمنية مكثفة".

وعندما اضطر فرج الله أبو جراد، الذي عاش في مخيم فلسطيني في درعا لأكثر من ثلاثة عقود، إلى مغادرة سوريا مع عائلته المكونة من 11 فرداً، قال أن المطاف انتهى به وبولديه في أحد السجون المصرية حيث مكث لمدة شهر وخضع لاستجوابات قبل السماح له بالعودة إلى غزة، حسبما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

كما رفضت السلطات المصرية في معبر رفح الحدودي دخول الدويك إلى غزة لأنه لم يحصل على تأشيرة أو إذن مناسب. وكان السبيل الوحيد لدخول القطاع عبر شبكة من الأنفاق غير المشروعة التي تربط بين غزة ومصر. وعن ذلك قال: "كانت مخاطرة، ولكن ها قد وصلت".

لكن هؤلاء الفلسطينيين يعودون إلى مكان لا يستطيع أن يوفر لهم الكثير من الأمن أو الفرص.

وبعد رحلة الدويك المضنية ومحاولة إعادة بناء حياته في غزة، اندلعت الحرب مرة أخرى في المنطقة المجاورة له تماماً. فقد أعاد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة الذي دام ثمانية أيام في نوفمبر الماضي ذكريات العنف مرة أخرى، حيث كان الدويك يقيم بالقرب من مبنى حكومي تعرض للقصف أثناء الهجوم الإسرائيلي.

 "كان كل شيء يهتز: النوافذ والأبواب، وحتى المبنى، ولكن حمداً لله لم تصب عائلتي بأذى،" كما قال مضيفاً أنه شعر بالخوف مرة أخرى: "لكن ماذا يمكنني أن أفعل حيال ذلك؟ عانيت الكثير لكي أعود إلى هنا، وأخشى أن يعتقلني المصريون إذا ذهبت إلى مصر، لأنني دخلت غزة عبر نفق".

أما أبو جراد فقال أنه سعيد لأن أسرته في مأمن، لكنه يجد صعوبة في التعامل مع مستويات الفقر والبطالة المرتفعة في غزة. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "لا نريد السلامة فقط، بل نريد أيضاً إعادة بناء حياتنا التي سرقت منا بسبب الحرب ... لقد تركنا كل شيء تقريباً".

ويقوم أبو جراد بإصلاح منزل أقام فيه والداه منذ عقود. الجدران متصدعة وبعض النوافذ محطمة بسبب القصف الإسرائيلي على القطاع في شهر نوفمبر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من الفارين من سوريا، لكن ليس جميعهم، لديهم عائلات كبيرة في غزة تقدم لهم بعض الدعم.

ويحصل العائدون أيضاً على نفس خدمات الأونروا التي توفرها لجميع اللاجئين الفلسطينيين الآخرين في غزة، مثل الغذاء والتعليم والرعاية الصحية. وقال أبو حسنة مسؤول الإعلام في الأونروا أنهم يستطيعون أيضاً أن يتقدموا بطلبات إلى مشروع الأونروا لخلق فرص العمل لكي يحصلوا على وظائف لمدة ستة أشهر أو سنة لمساعدتهم في البداية.

ولكنه أضاف قائلاً: "لا يمكننا أن نقدم لهم أكثر من ذلك".

وأفاد مسؤول حكومي في غزة تحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) شريطة عدم نشر اسمه، أن العائدين يمكنهم طلب المساعدة الاجتماعية من الحكومة، مثلهم في ذلك مثل أي مقيم آخر في غزة. لكنه أضاف أنه من الصعب جداً على قطاع غزة، ليس فقط من الناحية السياسية، ولكن من الناحيتين اللوجستية والمالية أيضاً، استيعاب عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا، الذين لم يكونوا أصلاً من سكان غزة.

ودعا الدويك إلى إيلاء مزيد من الاهتمام، بما في ذلك المساعدات المالية وفي مجال الإسكان، إلى أولئك الذين فروا من بلاد اللجوء "لأنهم رحلوا دون أخذ أي شيء معهم. فهم يبحثون عن مكان أكثر أمناً يمكنهم العيش فيه، ولكن ليس كلاجئين مرة أخرى".

ad/ha/cb-ais/dvh