الأرض الفلسطينية المحتلة: إغلاق الأنفاق يفاقم أزمة الإسكان في غزة

كغيره من سكان قطاع غزة البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة، غالباً ما يجد أيمن صبحي نفسه ضحية للتطورات الدولية الخارجة عن إرادته. فعندما تخرج من الكلية منذ عامين، كان يخطط لبناء منزل كبير يكفي أفراد عائلته الستة الذين يعيلهم (جده ووالداه وأخواته) الذين يتشاطرون حالياً شقة تبلغ مساحتها 90 متراً مربعاً في الطابق الأرضي من منزل مكون من ثلاثة طوابق تتقاسمه سبع عائلات. لكن الهجوم الذي وقع على موقع للجيش المصري في سيناء في شهر أغسطس الماضي على بعد كيلومترات قليلة من حدود غزة أدى إلى تعليق خططه.

فقد أسفر الهجوم، الذي يلقى باللائمة فيه على متطرفين من قطاع غزة (لا تزال التحقيقات المصرية جارية) عن مصرع 15 جندياً مصرياً، وهو ما دفع الرئيس المصري محمد مرسي إلى البدء في إغلاق شبكة الأنفاق الممتدة تحت الأرض بين مصر وقطاع غزة والتي يقوم من خلالها المهربون بإرسال الإمدادات التجارية والمساعدات وبالإضافة إلى الأسلحة والمقاتلين، كما يُزعم.

وتوفر الأنفاق معظم مواد البناء لقطاع غزة - أو 80 بالمائة منها طبقاً لأحد التقديرات بعد أن تم حظرها بصورة رسمية خلال الحصار التي تفرضه إسرائيل ومصر على القطاع منذ ستة أعوام.

وقد فاقم إغلاق بعض الأنفاق (النسبة غير مؤكدة) من أزمة الإسكان القائمة في غزة والناجمة عن النمو السكاني السريع والتدمير الهائل للمنازل أثناء عمليات الجيش الإسرائيلي. لكن عمال الإغاثة يقولون أن السبب الرئيسي في الأزمة هو القيود الإسرائيلية المفروضة على استيراد مواد البناء، في وقت تسيطر فيه مصر بإحكام على حدودها مع غزة.

وقال حسن المدهون، مدير مكتب نقيب المهندسين في قطاع غزة، أن أنشطة البناء تراجعت بنسبة 40 بالمائة منذ إغلاق الأنفاق وهو ما ينذر "بتهديد محتمل لمستقبل القطاع" الذي يوظف ما بين 75,000 و150,000 شخص (لا تتوفر أرقام رسمية).

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن هناك تقارير تشير إلى أن تدفق مواد البناء عبر الأنفاق قد توقف إلى حد كبير في بداية أغسطس ولكنه بدأ يزداد تدريجياً منذ ذلك الحين. وتبلغ نسبة تدفق مواد البناء حالياً حوالي 70 بالمائة من الطاقة التشغيلية السابقة، وفقاً لأوتشا، وهو ما يزيد بنسبة 45 بالمائة تقريباً عن مواد البناء التي تدخل عن طريق معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم) الإسرائيلي الرسمي.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال صبحي: "ما أحتاجه هو الحصول على منزل لي ولأسرتي. لكن إغلاق الأنفاق- دون وجود حل عملي مستدام- يبدد أحلام الشباب الفلسطيني في امتلاك منزل".

فجوات في قطاع المأوي

وتحتاج غزة حالياً إلى أكثر من 71,000 وحدة سكنية – أي حوالي 23 بالمائة من مجموع المساكن في غزة- وذلك لمواجهة الفجوة في قطاع المأوى، طبقاً لقاعدة البيانات الموحدة لقطاع المأوى التي تديرها مجموعة من وكالات الإغاثة العاملة في مجال المأوى في غزة. كما لا يزال أكثر من 15,000 شخص من سكان غزة نازحين جراء العملية التي قامت بها إسرائيل في عام 2008-2009 والمعروفة باسم عملية الرصاص المصبوب.


وكانت إسرائيل قد خففت الحصار على القطاع عام 2010، لكنها لا تزال تعتبر مواد البناء مثل الحديد والإسمنت والزلط والرمل مواد "مزدوجة الاستخدام" قائلة أنه يمكن استخدام تلك المواد لأغراض خطيرة. وتسمح إسرائيل بدخول تلك المواد فقط من خلال مشاريع الإغاثة الدولية. وأفادت منظمات الإغاثة أن الإجراءات الإسرائيلية "بطيئة وبيروقراطية ومكلفة جداً" لدرجة أجبرت المجتمع الدولي المجتمع الدولي على لعب دور محدود فقط في مجال مشاريع البناء.

وقال مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في شهر مارس أن إسرائيل رفضت جميع طلبات الأونروا لتنفيذ مشاريع بناء منذ منتصف 2011. وفي نهاية سبتمبر، أعلنت السلطات الإسرائيلية عن موافقتها على 14 مشروعاً للأمم المتحدة في مجال الإسكان والبنية التحتية المدنية، غير أن متوسط الزمن اللازم لمراجعة المشاريع بلغ 20 شهراً. كما أدى إغلاق الأنفاق إلى إضافة المزيد من القيود.

الضغوط والتوترات

وتعد غزة واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. وقد أصدر قطاع المأوى نشرة حقائق حديثة قال فيها أن "اكتظاظ السكان أصبح الآن مشكلة كبرى" بدأت تتسبب في مشاكل أخرى كزيادة معدلات العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي وانهيار عام للمعايير الاجتماعية والثقافية. كما شجع على بناء منازل منخفضة الجودة مما يثير "مخاوف جدية بشأن الحد من مخاطر الكوارث في منطقة عرضة لصراعات أو كوارث طبيعية في المستقبل كالزلازل أو الفيضانات".

ويقول قطاع المأوى أن الأسر التي استضافت النازحين- بسبب عملية الرصاص المصبوب- وصلت الآن إلى "نقطة الانهيار" بعد تقديمها للمساعدة إلى الأصدقاء والأقارب لأكثر من ثلاث سنوات. ونتيجة لنقص التمويل، توقفت الآن المساعدات الدولية لتلك الأسر المضيفة. (يعاني نداء الأمم المتحدة لتقديم 415 مليون دولار لمشاريع الإغاثة في الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 2012 من نقص في التمويل بنسبة الثلث).

وفي بيئة لا يستطيع فيها العديد من سكان غزة تحمل نفقات شراء مواد البناء من الأنفاق قبل هجوم سيناء، ارتفعت الآن أسعار تلك المواد بنسبة 15 إلى 20 بالمائة، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). كما تصل أسعار بعض المواد في بعض الأحيان إلى الضعف مثل الزلط، وفقاً لأسامة كحيل رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين.

وقد أدى شح المواد وارتفاع أسعارها إلى خفض الأرباح وتراجع مشاريع البناء وتأخرها (مع فرض غرامة على المقاولين لعدم إكمالهم للمشاريع في أوقاتها)، وهو ما دفع بعض الشركات إلى البدء في تسريح عمالتها، على حد قول كحيل والمدهون.

وقال كحيل أن الأسواق مضطربة مع زيادة شعور شركات المقاولات بأنها تحت رحمة وضع الأنفاق.
وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال المدهون: "لا نريد أكثر من حقنا- الحق في الحصول على منزل". وأضاف متسائلاً: "لماذا يصمت العالم على معاناة أكثر من 1.5 مليون شخص في غزة محرومين من عيش حياة طبيعية مثل باقي شعوب العالم؟"

قنوات جديدة للإغاثة

في الوقت نفسه، بدأت بعض الدول- مثل قطر وتركيا التي ترغب لأسباب سياسية داخلية إرسال إشارات قوية إلى إسرائيل- في إرسال مساعدات عن طريق المنظمات غير الحكومية الإسلامية أو أخذت تقوم بصورة مباشرة بشراء المنتجات المحلية في محاولة للالتفاف على القيود الإسرائيلية.

وفي أول زيارة لرئيس دولة إلى غزة منذ انتخاب حماس عام 2006، تعهد أمير قطر الشهر الماضي بمنح مبلغ 400 مليون دولار كمساعدات تشمل مجمعات سكنية (يضم أحدهما 3,000 وحدة سكنية والمرافق المرتبطة بها مثل المدارس والمساجد ومناطق الترفيه والحدائق في خان يونس في الجزء الجنوبي من قطاع غزة).

لكن في الوقت الراهن مازال صبحي البالغ من العمر 24 عاماً ينتظر بناء المنزل حيث قال: "لدي ثقة بأن هذا الوضع لن يدوم وأن الأمور سوف تتحسن".

ad/ha/kb/cb -hk/dvh