لبنان – سوريا: حقل ألغام بالنسبة للاّجئين

 ثمة تباطؤ في التقدم الحاصل على مستوى تقديم المزيد من المساعدات بصورة أفضل إلى اللاجئين السوريين المتدفقين بشكل مستمر إلى لبنان، وذلك بسبب تردد الحكومة اللبنانية الناجم عن مخاوفها من احتمال أن يؤدي العنف المستمر في سوريا إلى زعزعة استقرار الأوضاع السياسية الهشة في البلاد. وقد خلفت الاشتباكات الطائفية في مدينة طرابلس في شمال لبنان خلال الأسابيع الأخيرة ما لا يقل عن 15 قتيلاً و120 جريحاً. ورغم دعوة السياسيين من جميع التيارات إلى التهدئة، يرى العديد من الناس أن اللاجئين يشكلون تهديداً أمنياً.

من جهته، قال العميد ابراهيم بشير، الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة– وكالة معونة في مكتب رئيس الوزراء (تم إنشاؤها في الأصل من أجل تنسيق إعادة الإعمار بعد الحرب في عام 2006)- أن أولويته الرئيسية كانت "الحفاظ على أمن هذا البلد".

والوضع في لبنان متوتر للغاية: في 9 أغسطس، تم القبض على ميشال سماحة، وهو وزير إعلام سابق، له علاقات وطيدة مع دمشق، بتهمة التخطيط لشن هجمات بالقنابل في الشمال، من بينها هجوم يستهدف البطريرك الماروني. ومع ذلك يبدو أن جميع الأحزاب الكبرى لديها الرغبة في الحفاظ على استقرار الوضع. ولكن بعض المحللين السياسيين يبدون تفاؤلاً حذراً حيال ذلك. ففي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال رامي خوري من الجامعة الأمريكية في بيروت: "لقد امتدت الآثار الكبرى من سوريا إلينا بالفعل، وأنا لا أتوقع المزيد. لقد شهدنا تلك الآثار الناتجة عن الوضع في سوريا مثل إطلاق النار وعمليات الخطف وهذا سوف يستمر، ولكنني لا أعتقد أن الأمور ستزداد سوءاً".

ولطالما عاملت سوريا– التي لم تسحب جيشها من لبنان إلا في عام 2005- لبنان على أنها دولة عميلة لها ويتم تصنيف العديد من الفصائل السياسية اللبنانية بصفة عامة على أنها إمّا موالية أو مناهضة للحكومة السورية. ويعد تحالف 8 آذار تحالفاً للقوى الموالية لسوريا مثل حزب الله الشيعي وحركة أمل الشيعية والتيار الوطني الحر المسيحي بقيادة الجنرال ميشال عون. ومن جهة أخرى يعد تحالف 14 آذار– المؤلف من تيار المستقبل السني والقوات اللبنانية وأحزاب مستقلة أخرى- الجبهة المناهضة لسوريا.

وعلى الحكومة أن تسير على الحياد عند تنفيذها لعمليات تقديم الدعم للاجئين. وقال بشير: "نحن نفضل التعامل مع هذه المشكلة بسلاسة وهدوء ودون اختلاق أية مشاكل قد تتسبب في اندلاع حرب أهلية جديدة في لبنان"، موضحاً أن تزويد اللاجئين ببطاقات تسجيل رسمية أو إقامة المخيمات سيكون أمراً ضاراً. وقال عمال الإغاثة الذين تحدثوا إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بدون ذكر أسمائهم، أن المناطق التي يتخذها اللاجئون السوريون كملجأ في الشمال يتم قصفها من قبل الجيش السوري (رداً على قيام المتمردين بإطلاق النار عليهم ليلاً). وتحتاج منظمات الإغاثة إلى تصريح من الجيش اللبناني لدخول تلك المناطق، وهو ما يشير إلى أن أولوية الحكومة اللبنانية هي منع التسلل اللبناني للمنطقة بغية تسليح اللاجئين، بدلاً من ضمان سلامتهم.

ولبنان ليس من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لذلك فإن البلاد ليست ملزمة بالاعتراف باللاجئين الذين تشير إليهم الحكومة كمجرد "زائرين". وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن الحكومة تقوم بجهود الإغاثة الخاصة بها وأن الحدود ما زالت مفتوحة أمام اللاجئين السوريين.

متلازمة الفلسطينيين

لبنان ليس غريباً عن اللاجئين حيث أنه يستضيف بالفعل 455,000 فلسطيني في 12 مخيماً. وقد أدى تدفق الفصائل الفلسطينية المسلحة في السبعينات إلى تغير توازن القوى بين الطوائف، الأمر الذي أدى إلى حدوث سباق تسلح بين الميليشيات المختلفة بلغ ذروته في اندلاع حرب أهلية دموية (1975-1990) خلفت 150,000 قتيل على الأقل. واللاجئون الفلسطينيون الآن محرومون من العديد من الحقوق الأساسية في لبنان حيث تحولت مخيمات اللاجئين إلى أحياء فقيرة تعتمد على الخدمات الأساسية التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هذا وتندلع بشكل متكرر اشتباكات بين الجماعات المتطرفة من المخيمات والجيش اللبناني.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال سيمون فضول، رئيس رابطة كاريتاس في لبنان، أن الحكومة تخشى من تكرار الأمر مع السوريين، فيتحوّل لجوءهم إلى وضع دائم بحيث لا يعود الناس إلى سوريا. هذا ويخشى الكثيرون من إمكانية أن تستخدم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين كمراكز انطلاق للمتمردين السوريين. ويعتقد فضول أن إنشاء مخيمات رسمية للاجئين قد يضع الحكومة اللبنانية في خلاف مع نظام الأسد في سوريا وسيكون مخاطرة لا ترغب حكومة 8 آذار القيام بها. هذا وتؤثر التدخلات السياسية على جهود الإغاثة حيث لم يتم السماح حتى شهر يوليو الماضي للهيئة العليا للإغاثة بالعمل في وادي البقاع الذي يأوي حالياً العديد من اللاجئين السوريين.

وفي نفس الوقت، بدأ اللاجئون في تشييد مخيمات مؤقتة في بعض المواقع ولكنها تفتقر إلى مرافق الصرف الصحي اللائق. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال عمال الإغاثة الذين فضلوا عدم ذكر أسمائهم ويعملون في إحدى المنظمات غير الحكومية الدولية أن المناقشات حول بدائل للمخيمات متواصلة- على سبيل المثال بناء مبانٍ فردية مؤقتة- وهناك حاجة إلى اتخاذ قرارات سريعة نظراً لاقتراب فصل الشتاء. ويُعتبر وادي خالد ووادي البقاع حيث يقيم معظم اللاجئين من بين المناطق الأشد برودةً في لبنان. وقد وجد 53 بالمائة من اللاجئين في الشمال مأوى لهم مع أقاربهم اللبنانيين أو في منازل خاصة أخرى طبقاً لما ذكره التقييم الأخير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ولكن في البقاع، وهي منطقة تقطنها غالبية مسيحية وشيعية، لا يتمتّع اللاجئون (وغالبيتهم من السنة) بنفس الدرجة من الروابط الأسرية. ورغم قدرة بعض اللاجئين على تحمل نفقات إيجار شقق وغرف في الفنادق إلا أن الآخرين يعيشون في المساجد والمدارس المهجورة. وأضاف فضول من رابطة كاريتاس أنه قد يكون هناك مشكلات كبيرة في الإقامة إذا استمر توافد اللاجئين، مؤكداً أن "الأعداد تتزايد بسرعة كبيرة والأماكن تزداد ندرة".

لعبة الأرقام

سجلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في لبنان 41,949 لاجئاً من سوريا. ولكن اللجنة العليا للإغاثة أخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن تلك الأرقام غير دقيقة حيث أن العديد من اللاجئين قد دخلوا لبنان لتجنب أسوأ أعمال القتال ولكنهم عادوا مرة أخرى إلى بلادهم، كما أن العديد من هؤلاء الذين تم تسجيلهم كانوا موجودين بالفعل في لبنان كعمال موسميين منذ فترة طويلة. ويعترض فضول أيضاً على صحة الأرقام الرسمية قائلاً أن العديد من اللاجئين لم يقوموا بتسجيل أنفسهم خوفاً من أن يتم تسليم أسمائهم إلى السلطات السورية.

وقال فضول "نحن نعرف جميعاً أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان يزيد عن 150,000. ولدينا أصلاً 300,000 عامل موسمي سوري في لبنان من قبل الحرب. فكم عدد الذين أتوا من مناطق مثل حمص وحلب ودمشق؟ وكم عدد الذين دعوا عائلاتهم الآن للمجيء إلى لبنان؟ وهناك آلاف آخرون قاموا باستئجار غرف في الفنادق وشقق وهم ليسوا مسجلين لأن لديهم وسائل للنجاة بطرقهم الخاصة. وكم من الآلاف حضروا ويعيشون الآن مع أقاربهم؟ فسواء أحببنا ذلك أم لا، لا بد وأن نقوم باعتبار هؤلاء الناس كلاجئين".

وتحاول اللجنة العليا للإغاثة إيجاد مصادر تمويل بديلة لعمليات الإغاثة التي تقوم بها، لأن الأموال الحكومية قليلة ولأن الجهات المانحة الدولية الرئيسية لا تقوم بتوجيه أموالها من خلال اللجنة العليا للإغاثة. ووفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال مسؤولون دوليون للإغاثة، طلبوا عدم ذكر أسمائهم، أنه كان هناك نقاش حول إمكانية وكيفية تولي وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية بعض جهود الإغاثة، ولكن الانقسامات داخل الحكومة أحبطت أية قرارات واضحة حتى الآن.

kb/cb-hk/bb