مصر: اللاجئون العراقيون يعودون بعد نفاذ أموالهم

هرب سعد الحيدري وزوجته بان (وهي أسماء غير حقيقية) من العراق لمصر مع طفليهما عام 2006 بعد تلقيهما سلسلة من التهديدات بالقتل من قبل مسلحين إسلاميين رفضوا زواجهما الذي جمع بين ديانتين مختلفتين هما الإسلام والمسيحية. وعلى الرغم من أنهما يعيشان الآن بسلام في مصر ولكنهما وجدا نفسيهما بعزلة وعوز مادي.

وعن معاناة العراقيين قال الحيدري: نعرف أشخاصاً عادوا [من مصر] إلى العراق. لقد قالوا أنهم يفضلون الموت هناك على أن يموتوا جوعاً – فعلى الأقل يوجد أشخاص يعرفونهم وسيقومون بدفنهم".

وزواج حيدري من امرأة من ديانة مختلفة وعمله مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في العراق وقفا وراء تفجير المسلحين لمكتبه في بغداد في يوليو/تموز 2006. وعلى الرغم من أنه نجا من هذه الحادثة دون إصابة، إلا أنه اختُطف في وقت لاحق لمدة 15 يوماً تعرض خلالها للتعذيب، حسب قوله. فبحث بعدها عن مكان آخر يلجأ إليه إلى أن تمكن في نهاية المطاف من الهرب مع عائلته إلى مصر.

وقصته هذه ما هي إلا واحدة من آلاف القصص الحزينة التي يرويها العراقيون الذين لجؤوا إلى مصر.

150,000-70,000 لاجئ عراقي في مصر

ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هرب حوالي 2.2 مليون عراقي من بلادهم بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003. ووفقاً للمنظمة وصل إلى مصر 70,000 عراقي تقريباً على الرغم من تسجيل 9,932 منهم فقط أسماءهم لديها حتى نهاية عام 2007.

غير أن الحكومة المصرية والعديد من المنظمات غير الحكومية تقدر أن عددهم قد يتراوح بين 100,000 و150,000 شخص.

وبينما يأمل العراقيون أن تقوم المفوضية بإعادة توطينهم، ليس بالضرورة في وقت قريب، إلا أن البعض منهم يقول أنهم سيعودون إلى بلادهم لأن أموالهم نضبت ولأن الحالة الأمنية في بلادهم قد تحسنت.

وقالت أم عمر، 58 عاماً، التي جاءت إلى مصر قبل عام تقريباً، أنها تفكر بالعودة إلى العراق بسبب انعدام الخيارات أمامها. ولكنها تخشى من العنف الذي قد تواجهه هناك. وقالت أم عمر لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بأن اثنتين من بنات أخواتها قتلتا العام المنصرم في انفجار قنبلة في مسجد في منطقة الكرخ في بغداد.

وأضافت قائلة: "أنا معلقة بين الجنة والنار، فتكاليف المعيشة في بغداد باهظة وأنا خائفة من العودة".

وضع اللاجئين في مصر


الصورة: سارة كمشوشي/إيرين
بسبب القيود المفروضة على عمل العراقيين في مصر، يعمل العديد منهم بصورة غير شرعية

وعلى الرغم من توقيع مصر على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين عام 1951، إلا أنها أبقت على بعض التحفظات: فاللاجئون لا يستطيعون العمل في مصر دون الحصول على تصريح عمل كما أن الحصول على الخدمات محدود جداً بالنسبة لهم. ونتيجة لذلك أصبح العمل في مصر عملياً أمراً مستحيلاً بالنسبة للاجئين إلا إذا اختاروا العمل في قطاع غير الرسمي كالخدمة في المنازل. 

وقالت باربارا هاريل- بوند، أستاذة دراسات الهجرة القسرية واللجوء في الجامعة الأمريكية في القاهرة أن العراقيين حصلوا على القليل من المساعدة من الحكومة المصرية التي بالكاد تستطيع أن توفر الدعم حتى لمواطنيها. ووفقاً لها، يسود اعتقاد خاطئ بين بعض المصريين أن العراقيين أغنياء ويمكنهم إعالة أنفسهم.

وأضافت قائلة: "إن العوز لأمر رهيب – ومن الرهيب أن تواجه هؤلاء الناس. ونافذة الأمل بالنسبة لهم هي في أن تتم إعادة توطينهم".

الفقر وانعدام الثقة

ومع تأخر موضوع إعادة التوطين، يستمر العراقيون في العيش في مصر ولكن في عزلة عن بقية العراقيين بسبب انتشار حالة من عدم الثقة بين المجموعات الطائفية المختلفة التي تعيش في مصر.

''قالوا أنهم يفضلون الموت هناك على أن يموتوا جوعاً – فعلى الأقل يوجد أشخاص يعرفونهم وسيقومون بدفنهم ''

وقالت هاريل- بوند أن "العراقيين لا يثقون ببعضهم البعض لأنهم لا يعرفون بعضهم البعض. وهم غير قادرين على تكوين علاقات اجتماعية – ولا يمكن العيش في أي مكان في العالم دون علاقات اجتماعية".

وقد عاشت عائلة الحيدري في مصر لعام ونصف تقريباً. ومع موردها الضئيل وإيجار شقتها السنوي الذي يبلغ 1,200 جنيه مصري (219 دولار) يقوم رب الأسرة باقتراض المال ليبقى لدى العائلة بيتاً تأوي إليه في آخر النهار. ولا يذهب سوى ابن العائلة الأكبر إلى المدرسة إذ أنها لا تستطيع تحمل أقساط المدرسة واللوازم المدرسية للطفل الآخر.

وعن ذلك قال: "وضعي المادي صعب للغاية. وأنا لا أستطيع البقاء هنا – فأنا لا أملك المال".

ولكن بالنسبة للكثير من العراقيين القاطنين في مصر، تعني العودة إلى العراق مواجهة موت محتمل، كما قال الحيدري، الذي أضاف أن العديد منهم سجلت أسماؤهم في القائمة السوداء للمليشيات المسلحة.

وأنهي حديثه بالقول: "إذا عدت فسأقتل حتماً، فقد تم تهديدي بالقتل، وهناك احتمال يصل إلى 90 بالمائة في أن لا أتمكن من الوصول إلى منزلي".

"