تحليل: التصدي للقنبلة السكانية الموقوتة في باكستان

• مطلوب معدل نمو في التوظيف يبلغ 8 بالمائة
• انخفاض الوعي بوسائل منع الحمل
• 30 بالمائة يعيشون في "فقر تعليمي مدقع"
• الشباب يشعرون "بالاحباط والغضب"

لا يجعل ارتفاع معدل المواليد الحياة أسهل بالنسبة لسكان باكستان البالغ عددهم 180 مليون نسمة، والذين يعانون بالفعل من عدم الاستقرار السياسي والركود الاقتصادي والكوارث الطبيعية.

ومن المرجح أن تزداد الضغوط الداخلية في سادس أكبر بلدان العالم من حيث تعداد السكان سوءاً قبل أن تتحسن. ويعتبر معدل النمو السكاني في باكستان، الذي يبلغ 2.03 بالمائة، هو الأعلى في جنوب آسيا، كما أن معدل الخصوبة الكلي، أو عدد الأطفال الذين يولدون لكل امرأة، والبالغ 3.5 بالمائة هو أيضاً الأعلى في المنطقة.

وتتوقع الحكومة الباكستانية أن يتجاوز عدد السكان 242 مليون نسمة بحلول عام 2030.

وتجدر الإشارة إلى أن الفشل في إدارة النمو السكاني على نحو كاف يضع مزيداً من الضغوط على السكان الحاليين، الذين يفتقرون بالفعل إلى انتشار الخدمات الأساسية والتنمية الاجتماعية.

كما تعاني البنى التحتية لقطاعي الصحة والتعليم في باكستان من ضعف التمويل، في الوقت الذي يشكك فيه الخبراء في جودة البرامج التي يتم تنفيذها بالميزانيات الحالية. ونظراً لضعف الاقتصاد وانخفاض معدلات النمو، يمثل انعدام الأمن الغذائي والبطالة تحديات أخرى.

وأفاد الخبير الاقتصادي شهيد كاردار، وهو محافظ سابق لبنك الدولة الباكستاني أن "المشكلة هي أنه إذا كانت لديك مجموعة من السكان تعاني من الأمية وتفتقر إلى التدريب المناسب، فإن شريحة كبيرة منهم لن تستطيع المشاركة بشكل فعال في الاقتصاد".

وأضاف أنه "[استناداً إلى الاتجاهات السكانية في باكستان]، نحن بحاجة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8 بالمائة لتوظيفهم". ولم يتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في باكستان 3.7 بالمائة في السنوات الخمس الماضية.

كما يحذر الخبراء من أنه إذا لم تتم السيطرة على النمو السكاني، فسوف تؤدي إلى تفاقم هذه الاتجاهات السلبية كلما زاد الضغط على الموارد وفشل تحسين الخدمات في مواكبة الطلب.

انخفاض استخدام وسائل منع الحمل

وثمة مشكلة أخرى هي قلة الوعي ونقص وسائل منع الحمل، إذ لا يتجاوز معدل انتشار وسائل منع الحمل نسبة 27 بالمائة، ويستخدم 19 بالمائة فقط من الباكستانيين الوسائل الحديثة، وفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان.

وفي حين أن الطلب على وسائل منع الحمل يتزايد، إلا أن ربع هذا الطلب على الأقل لا يزال غير ملبى. وأكدت شهناز وزير علي، مستشارة رئيس الوزراء لشؤون القطاع الاجتماعي أن "الجهد الرئيسي هو الذي يُبذل على المدى الطويل لضمان توافر وسائل منع الحمل. هناك طلب متزايد على وسائل منع الحمل، وهناك طلبات غير ملباة. يرغب الكثير من الأزواج في استخدام وسائل منع الحمل، لكننا لا نعرف شيئاً عنهم أو لا يمكن الوصول إليهم... لذا فإن الأولوية الرئيسية، من خلال جهود القطاعين العام والخاص، هي التأكد من أن الناس يعرفون طرق تنظيم الأسرة ويمكنهم الحصول على وسائل منع الحمل".

ولا تتوافر بيانات دقيقة عن مشاركة القطاع الخاص في توفير وسائل منع الحمل وخدمات تنظيم الأسرة، لكن مسؤولاً كبيراً في وزارة رعاية السكان الباكستانية حدد نسبة مساهمة القطاع العام إلى الخاص بنحو 70 بالمائة إلى 30 بالمائة. وأضاف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث إلى وسائل الاعلام أن "القطاع الخاص جهة فاعلة رئيسية، ومساعدته في تحسين التخطيط السكاني ضرورية".

نقص الوعي بوسائل تنظيم الأسرة

دفع محمد غفور، وهو سائق سيارة أجرة يبلغ عمره 30 عاماً في روالبندي، ثمناً باهظاً لنقص الوعي. فهو يشعر الآن بالقلق على صحة ابنته التي يبلغ عمرها 10 أيام، والتي أحضرها إلى مستشفى العائلة المقدسة لاجراء فحوص. والطفلة هي ابنته الرابعة، بينما طفله الأكبر في السادسة من عمره.

وقال غفور: "أقود سيارتي الأجرة من الفجر إلى منتصف الليل، ومع ارتفاع تكاليف الوقود، عادة ما أكسب حوالي 200 روبية [أكثر قليلاً من 2 دولار] كل ليلة. والآن هناك فم آخر يحتاج إلى طعام. لقد انتقلت إلى هنا من سيالكوت وليس لدي عائلة هنا، ولذلك لا تستطيع زوجتي الذهاب إلى المستشفى بنفسها، ولم يكن لدي وقت لاصطحابها إلى الطبيب".

ولا يرغب غفور وزوجته في انجاب المزيد من الأطفال، ولم يخططا لأخر حالتي حمل. وقد سعيا للحصول على إرشادات بشأن تنظيم الأسرة، ولكن آخر إضافة إلى الأسرة ضاعفت بؤسهما.

والجدير بالذكر أن كل حمل ثالث في باكستان غير مخطط له، وفقاً لتقرير مركز ويلسون حول القضايا السكانية في البلاد الصادر في عام 2011.

وقال غفور: "لقد اضطررت إلى إخراج طفلي الأكبر من المدرسة لأنني لا أستطيع تحمل نفقات التعليم. إنه يبكي كل يوم، ويقول أنه يريد الذهاب إلى المدرسة، فأقول له أن علينا الاختيار بين الطعام والذهاب إلى المدرسة، فيقول أنه يفضل أن يموت جوعاً. كيف يمكنني أن أجعله يفهم؟ كيف أصلح هذا الوضع؟"

النمو السكاني يزيد من معدلات الفقر

هذا هو القرار الذي يجب أن تتخذه الأسر العادية كل يوم في باكستان والذي يديم التأثير الثانوي للنمو السكاني في بلد تظل الفرص الاقتصادية فيه محدودة.

وقال رابي رويان، الممثل القطري لصندوق الأمم المتحدة للسكان في باكستان أن "هناك ارتباطاً وثيقاً بين السكان والفقر. وتشير كافة الأدلة إلى أنك إذا نظرت إلى الأسر الكبيرة، ستجد فرصة قوية في أن تكون هذه الأسر فقيرة".

وأضاف أن "موارد الآباء يجب تقسيمها على عدد أكبر من الأطفال. أما الأسرة الصغيرة الحجم، فيمكنها أن تنفق أكثر على عدد أقل من الأطفال، حتى تتحسن جودة الصحة والتعليم"، مؤكداً أن هذا "يوفر فرصة للحد من الفقر، ويقلل فرص انتقال الفقر من جيل إلى آخر".

ولا يذهب 7 مليون ملايين في سن الدراسة الابتدائية إلى المدرسة بينما تقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن 30 بالمائة من الباكستانيين يعانون من "فقر تعليمي مدقع" - ويحصلون على أقل من عامين من التعليم.

كما أن البنية التحتية الصحية للبلاد تكافح أيضاً لتلبية الطلب ولا يوجد عدد كاف من الأطباء أو المرافق الحيوية في العديد من المناطق.

وعلى سبيل المثال، لا يشرف العاملون الصحيون المهرة سوى على 45 بالمائة فقط من الولادات، وفقاً لتقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان عن حالة سكان العالم في 2012.

عائد ديموغرافي؟

وقد أدى فشل باكستان في إدارة النمو السكاني على نحو كاف والحد من معدل الخصوبة على مدار العقود القليلة الماضية إلى جعل غالبية سكان البلاد أصغر سناً. واليوم، تقل أعمار ثلثي سكان باكستان عن 30 عاماً، وهي واحدة من أكبر تجمعات الشباب في العالم. ووصف العديد من كبار المسؤولين في الحكومة ذلك "بالعائد الديموغرافي"، وأعربوا عن أملهم في أن تحفز هذه الفئة من السكان الشباب النمو الاقتصادي وتحقق الرخاء في باكستان.
وقال رويان من صندوق الأمم المتحدة للسكان في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الشرط المسبق لتحقيق العائد الديموغرافي هو انخفاض في معدل الخصوبة. فعند انخفاض معدل الخصوبة، تقل نسبة السكان الذين يحتاجون إلى إعالة إلى السكان العاملين، وبالتالي يمكن استثمار قدر أكبر من المال في تحقيق النمو".

وأضاف قائلاً: "إذا أنفقت مبلغاً أقل على التعليم وغيره من احتياجات أولادي، فسوف أدخر، وبالتالي تتراكم المدخرات الإجمالية في البلاد، وهذا سيساعد على تحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي".

ويقول الخبراء أن جني الأرباح الديموغرافية يتطلب استثمارات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، وبدون هذه الجهود، يمكن أن يصبح لمثل هذه الزيادة السكانية تأثير عكسي، مع تنامي مشاعر الاستياء والسخط في قطاعات السكان المحرومين من الخدمات الأساسية والفرص.

وقالت مستشارة رئيس الوزراء شهناز وزير علي أنه "سيكون للنمو السكاني السريع وغير المخطط له آثار خطيرة وسلبية للغاية. فموارد الدولة محدودة وتتعرض بالفعل لضغط كبير؛ وفي حالة النمو غير المخطط له، ستكون المطالب هائلة".

وأضافت أنه "عندما يتخطى الضغط على الموارد الحدود الواقعية، ستكون هناك عواقب اقتصادية تتعلق بالغذاء والإسكان والتعليم والصحة وفرص العمل وجميع البنى التحتية المرتبطة بها. ويمكن أن يؤدي اليأس والإحباط بين الشباب إلى أنشطة إجرامية وأعمال عنف ضد الدولة".

خطر التطرف؟

وتؤكد دراسة أجراها مركز ويلسون حول القضايا السكانية في باكستان عام 2011، هذا القلق، وتسلط الضوء على فشل البلاد في مجالات التعليم وارتفاع التفاوت الاقتصادي بصفتهما اثنين من العوامل الرئيسية التي تسهم في زيادة أنشطة التطرف.

وتجبر الموارد المتناقصة، والطلب المتزايد، وارتفاع عدد السكان وعدم الاستقرار المصاحب لها باكستان على الدخول في حلقة مفرغة.

وتساءل الخبير الاقتصادي كاردار قائلاً: "أسمع هذا الهراء حول العائد الديموغرافي والسكان الشباب كثيراً، ولكن ماذا قدمنا لهؤلاء السكان الشباب؟ هل أعطيناهم حصة في الاقتصاد والمجتمع؟" وأضاف "إنهم ينظرون إلى ما يحدث من حولهم، ويشعرون بالاحباط والغضب".

"إن عائدنا الديموغرافي هو حركة طالبان".

rc/jj/cb-ais/dvh