سوريا: نحو الحكم في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون

 يدير المواطنون الخدمات في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في سوريا. ففي البارة وهي قرية ريفية شمال غرب البلاد، يقوم عمال النظافة بجمع القمامة. وإذا كانت هناك مشاكل في خطوط الكهرباء يقوم أخصائي في الكهرباء بإصلاح العطل. وإذا اتهم أحد بالسرقة يتم تقديمه للمحاكمة وإذا وجد أنه مذنب يتم وضعه في السجن.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال أحمد وهو مهندس محلي، في حوار عبر الهاتف: "نحن ندير الأمور بأنفسنا الآن. لقد كان الأمر صعباً في البداية، ولكنه أصبح الآن طبيعياً للغاية". فوسط عناوين الأخبار عن القتال والمذابح، بات النمو المطرد للمجتمع المدني في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في سوريا غير ملحوظ بشكل كبير. فتدمير البنية التحتية على نطاق واسع يعني عدم استطاعة العديد من المدن والمناطق الحصول على السلع والخدمات الأساسية. ولكن يتقدم السكان العاديون لعرض المساعدة ويؤسسون شبكات دعم متطورة للحكم الذاتي. وتعد قرية البارة واحدة من أكثر من 70 قرية في جبل الزاوية، وهي منطقة مرتفعة يسيطر عليها المتمردون بالقرب من الحدود التركية. ومنذ مغادرة الجيش قام السكان بإنشاء المجالس البلدية الخاصة بهم في كل قرية.

وأضاف أحمد في هذا الإطار: "لقد انتخبنا 45 شخصاً قاموا بعد ذلك باختيار مجلس مؤلف من 12 عضواً وجميعهم يتمتّعون بمؤهلات جامعية. ويرأس المجلس مجموعة متنوعة من اللجان كلها مسؤولة عن جوانب مختلفة من حياة المجتمع. فهناك مجموعات عمل لتنظيف الشوارع وأخرى لجمع التبرعات ونقلها إلى الأسر المحتاجة أو مجموعات للتأكد من توزيع الغذاء والوقود والغاز بصورة متساوية. وهناك تقارير عن ظهور هياكل مماثلة في العديد من المناطق الأخرى التي تخلّت عنها الدولة.

الحكم الذاتي

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال الناشط محمد سيد من حريتان، بالقرب من حلب، في حوار هاتفي: "لدينا الآن حكومة جديدة، ويبقى اتخاذ القرار على عاتق بعض الأفراد، ولكن لكل شخص وظيفة يؤديها". وأفاد سكان المحافظات الشمالية في حلب وإدلب أنه رغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل حاد وصعوبة الحصول على بعض السلع مثل الدقيق، ما زالت المجتمعات قادرة على اقتسام ما يتوفر لديهم.

وقال ابراهيم وهو طالب من معرة حرمة، قرية أخرى في جبل الزاوية: "لولا هذه اللجان، كنا لنواجه الكثير من المشاكل، وكان لينهار كل شيء تقريباً. وكان والد ابراهيم يعيل الأسرة من عمله في مجال البناء في لبنان، لكنه لا يقدر الآن أن يسافر عبر الحدود بسبب الطرقات غير الآمنة نتيجة القتال. فتعيش الأسرة الآن على ما تنتجه مزرعتهم الصغيرة، ولكن غلة المحصول لا تكفي. وأضاف ابراهيم: "تمنحنا لجنة المساعدات الإنسانية الطرود الغذائية التي غالباً ما تحتوي على زيت الطهي والشاي والسكر وغيرها من اللوازم الأساسية. وبالرغم من أنها مواد أساسية جداً إلا أنها تبقينا على قيد الحياة".

ويتابع ابراهيم قائلاً أن لدى اللجنة قائمة بأسماء الأشخاص المحتاجين الذين يحق لهم الحصول على الطرود الغذائية. ويقوم النشطاء ومقاتلو الجيش السوري الحر بشراء الإمدادات من تركيا المجاورة مستخدمين التبرعات التي تصلهم من السعودية والإمارات العربية المتحدة، ثم يقومون بإدخالها عبر الحدود إلى القرية. وأضاف ابراهيم أن "الحياة لا تزال صعبة وخاصة بالنسبة للاجئين من محافظة حماة الذين يعيشون في مساجدنا. ولكن ما زلنا نستطيع أن نتدبر أمورنا بطريقة ما".

ولكن الأزمة الإنسانية تتفاقم في المناطق الأخرى، حيث لا يملك الناس حرية تنظيم نظم الإمداد والدعم الخاصة بهم. فقد قال أبو عماد* وهو ناشط في قرية بالقرب من حمص: "لا يمكننا إنشاء اللجان لأننا لا نملك حرية الحركة". ورغم انسحاب الجيش من القرية نفسها، مازال الجنود يحاصرونها ويقومون بإطلاق هجمات عليها بصورة متكررة. وذكر أبو عماد أن "التجول في الخارج خطير جداً، لذلك نقوم بتوزيع الغذاء والمياه من منزل إلى منزل". ولكن حتى في المناطق التي تتمتع بأكبر قدر من الاكتفاء الذاتي الواقعة تحت سيطرة المتمردين، ما زالت بعض الخدمات تأتي من الحكومة مثل الكهرباء- على الرغم من انقطاع الكهرباء لمدة ساعة كل يوم.

نظام قانوني جديد

يبدو أن تقديم الغذاء والمواد الأساسية الأخرى هو الشاغل الرئيسي في معظم المجتمعات التي يسيطر عليها المتمردون. ويقوم السكان في تلك المناطق بتولي مسؤولية القطاعات الأخرى. ففي البارة يتولى الآن مجلس من خمسة أعضاء من الشيوخ مسؤولية جميع القضايا القانونية. ويقول السكان أن تلك المجالس تعد جزءاً من النظام التقليدي لحل النزاعات. وتلك المجالس الآن هي السلطة القانونية الوحيدة المتبقية. وقال أبو فادي، وهو عامل بناء متقاعد يبلغ من العمر 62 عاماً: "هناك سببان لكوني عضواً في هذه المحكمة: السبب الأول يتعلق بعمري والسبب الآخر هو أن الناس يحترمونني".

وقامت المحكمة مؤخراً بتناول قضية رجل متهم بسرقة التين. وقال أبو فادي: "استمعنا في البداية لجميع الأطراف. وكان اثنان منا يمثلان الادعاء واثنان منا يمثلان الدفاع. والعضو الخامس كان هو القاضي وهو يقرر ما إذا كان المتهم مذنباً أم لا". وقد تم التوصل إلى أن لص التين مذنب وحكم عليه بالسجن لمدة أسبوع مع دفع غرامة تبلغ ثلاثة أضعاف سعر التين الذي سرقه والتوقيع على بيان يتعهد فيه بعدم السرقة مرة ثانية. وإذا تمت إدانة المتهم بجريمة أكثر خطورة مثل القتل يتم عادة نفيه من القرية. وفي حالات الخلافات الأسرية والنزاعات بين الجيران، تحاول المحكمة القيام بدور الوسيط والتفاوض للتوصل إلى اتفاقات بين الجوانب المختلفة. ويكون القاضي الذي يترأس المجلس شيخ يحمل شهادة في الشريعة الإسلامية. وعبر الهاتف، قال أبو رامز*، أحد رجال الدين: "أنا ماهر جداً في حل المشاكل". ومصدر أحكامه هي التقاليد المحلية والنصوص الدينية. وأضاف أبو رامز: "المشكلة هي أنك لا تستطيع أن تحكم الناس هنا بالقرآن. فهم لن يقبلوا بذلك. ولذلك أستخدم عادة العقل والمنطق في إصدار الأحكام. وإذا لم أكن متأكداً مما يجب القيام به، أبحث في القرآن لأجد شيئاً".

نحن ندير الأمور بأنفسنا الآن. لقد كان الأمر صعباً في البداية، لكنه الآن أصبح طبيعياً

 

وقال الشيخ أن النظام القانوني الجديد يعمل في الواقع أفضل بكثير من النظام السابق الذي كانت تديره الدولة. وقال رامز أن "المحكمة الرسمية هنا كانت بطيئة جداً. وكانت تستغرق أحياناً سنوات للتعامل مع القضايا. وكان هناك أيضاً الكثير من الفساد ولذلك لم يثق الناس بها. والناس يقبلون بنا كسلطة قانونية لأن أحكامنا تتماشى مع تقاليدهم". وقد اتفق مع هذا الرأي العديد من السكان الذين قابلتهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حيث ذكروا أنه عادةً ما يتم حل النزاعات القانونية بسرعة وكفاءة.

 

حالات انتهاك

على الرغم من أن الجيش السوري الحر تولى دور قوات الشرطة في بعض المناطق كأمر واقع لمحاولة الحفاظ على الأمن وتنفيذ الأحكام التي تصدرها المحكمة، إلا أن حالات الانتهاكات التي حدثت أثارت المخاوف بشأن المساءلة. وقد قامت منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) بتوثيق حالات لم تقم فيها مجموعات المتمردين بتعذيب المحتجزين فحسب، بل قاموا أيضاً بتنفيذ عمليات إعدام بإجراءات موجزة خارج نطاق القانون.

وقال نديم حوري، نائب مدير الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش في بيروت أنه "عادةً ما ينتمي هؤلاء السجناء إلى الجيش وقوات الأمن أو يشتبه في أنهم مخبرون للحكومة أو أعضاء في الميليشيات الموالية للحكومة". وقال حوري أن غياب المعايير الواضحة والثابتة وخاصة في القضايا التي تشمل اتهامات خطيرة يؤدي إلى صعوبة إقامة العدل، مضيفاً أن "قيام المجلس القضائي بحل نزاع محلي أمر يختلف عن التعامل مع الاتهامات الخاصة بالجرائم الخطيرة". وأضاف أن الممارسات القانونية تختلف من منطقة إلى أخرى حيث تقوم بعض المجالس بالاعتماد فقط على الشريعة الإسلامية بينما تقوم مجالس أخرى بتطبيق مزيج من الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي السوري، مؤكداً أنه "هناك قلق بشأن عدم توفيرهم لمعايير المحاكمة العادلة. وفي معظم الحالات لا يكون لدى الناس المتهمين بالجرائم فرصة الحصول على محام أو الإعداد لدفاعهم أو الطعن في الشهود أو الدليل المقدم ضدهم".

ويقول الجيش السوري الحر أنه يحاول ملء دور أوسع داخل هياكل المجتمع المدني الناشئ في المناطق الواقعة تحت سيطرته. وقال حذيفة* المتحدث باسم قيادة منطقة دمشق في مجلس قيادة الجيش السوري الحر في العاصمة: "نحن نحاول أن نجعل الأمور تسير بشكل طبيعي بقدر ما نستطيع".

تقديم الطعام

قال حذيفة واصفاً واحدة من أكثر خدمات الجيش السوري الحر أهميةً: "نحن نحاول التأكد من أنه ما زال لدى الناس فرصة للحصول على الغذاء. فإذا تمت محاصرة الحي نقوم بشراء الطعام من مكان قريب...ونوصله إلى مكان الاحتياج". فعلى سبيل المثال، في الزبداني وهي مدينة صغيرة في محافظة دمشق، تم طرد القوات الحكومية ولكن نقاط تفتيش الجيش ما زالت تسد طرق الدخول إلى المدنية. وقال عبد الله* أحد سكان المدينة أن "الجيش السوري الحر يحاول جلب أكبر كمية ممكنة من الدقيق لكن عليهم أن يحملوه على الأقدام مسافة خمسة أو ستة كيلومترات عبر الجبال إلى الزبداني لأن جميع الطرق مقطوعة... ولولاهم لما كان هناك خبز على الإطلاق".

وقال محمد سيد* وهو ناشط من حريتان أن حماية وترتيب عمليات تسليم الدقيق إلى المخابز في حلب أصبحت إحدى المهام الرئيسية للجيش السوري الحر. وأضاف أنهم "يحاولون منع الاعتداءات على المخابز وأنهم يتأكدون من وقوف الزبائن في الصف دون تدافع. هناك ندرة في الخبز، ولذلك لولا الجيش السوري الحر لكانت الناس تقاتلت عليه".

ويقول السكان والنشطاء أن الحفاظ على قدر من الحياة الطبيعية له نفس أهمية المكاسب العسكرية بالنسبة للمتمردين حيث يعتمد دعم الشعب لهم على قدرتهم على تلبية احتياجات المجتمعات. وقال حذيفة: "إنه أكثر أهميةً من القتال. نريد أن نحل محل الحكومة ونبني دولة جديدة. ومن واجبنا أن نحافظ على أمن المدن وهدوئها وهذه العملية تبدأ الآن".

* ليس الاسم الحقيقي

نتيجة القيود المفروضة على دخول سوريا تم إجراء المقابلات في هذا التقرير عبر الهاتف.

gk/kb/cb/rz-hk/bb