الأرض الفلسطينية المحتلة: مستقبل غزة خال من الأنفاق؟

 إنّ الهجوم الذي تم تنفيذه هذا الشهر قرب الحدود في شبه جزيرة سيناء، والذي أدى إلى مقتل 16 جندياً مصرياً، عزز الدعوة إلى إغلاق شبكة من الأنفاق تحت الأرض بين مصر وقطاع غزة المعزول. وكانت هذه الأنفاق قد استخدمت لسنوات عدة لتهريب السلع إلى غزة والمقاتلين إلى سيناء، كما تدعي مصر.

لكن حماس التي تحكم قطاع غزة ترى في ذلك فرصة، وتدعو علناً وفي المناقشات مع المسؤولين المصريين إلى استخدام معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة لأغراض تجارية. وقال غازي حمد، نائب وزير الشؤون الخارجية أن إقامة منطقة تجارة حرة قد "تحرر غزة" قريباً.

ومن جهته، قال عزام الشوا، وزير الطاقة السابق في السلطة الفلسطينية، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "بمجرد أن يعمل معبر رفح كمركز لتجارة السلع، ستصبح الأنفاق أمراً من الماضي". فالأنفاق هي أهم الطرق التجارية المؤدية من وإلى قطاع غزة، الذي يعتبر جزءاً من الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد أبقت إسرائيل حدودها مع غزة مغلقة باستثناء معبر كيرم شالوم، الذي تفرض فيه قيوداً كبيرة على مرور البضائع. وشملت المبادئ المتفق عليها لتشغيل معبر رفح، والتي وقعت عليها السلطة الفلسطينية وإسرائيل في عام 2005، خططاً لإقامة تجارة رسمية، ولكن تم تجميد الصفقة عندما تولت حماس السلطة في قطاع غزة عام 2006.

كما توترت العلاقات بين غزة ومصر خلال الحصار المفروض على غزة، على الرغم من أنها تحسنت منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك من السلطة في العام الماضي. ولكن الهجمات الأخيرة وأثرها الإنساني جعلت الدعوة إلى إحداث تغيير أكثر إلحاحاً.

وذكر مصطفى الصواف، رئيس تحرير سابق لصحيفة فلسطين التابعة لحماس، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "في نهاية المطاف، ما حدث في سيناء قد يكون له تأثير إيجابي على العلاقات المستقبلية بين مصر وقطاع غزة".

ويُقال أن استيراد الوقود ومواد البناء قد انخفض بنسبة 30 و 70 بالمائة على التوالي منذ 5 أغسطس، عندما أغلقت مصر المعبر وبدأت تغلق بعض الأنفاق، كما وصلت فترات انقطاع التيار الكهربائي إلى 16 ساعة يومياً، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وأشار حمد، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس مجلس إدارة هيئة المعابر الحدودية في قطاع غزة، في حديثه إلى شبكة الأنباء الإنسانية إلى أن منطقة التجارة الحرة من شأنها أن توفر لغزة المزيد من التسهيلات والطاقة وفرص الحصول على السلع، "لكنها لن تحول غزة إلى تايوان جديدة. علينا أن نظل واقعيين. سيكون من شأنها فقط أن تعيد الحياة الطبيعية للسكان".

فرص تأسيس منطقة تجارة حرة

إذا تأسست منطقة تجارة حرة، ستتمكن غزة من استيراد وتصدير السلع والمواد الخام من خلال ميناء العريش المصري دون دفع رسوم جمركية للسلطات المصرية. وقال الشوا أن هناك خيار آخر يقوم على تأسيس منطقة صناعية حرة تسمح للفلسطينيين المقيمين في غزة بالمرور بحرية للعمل في المناطق الصناعية المصرية. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت منطقة التجارة الحرة ستصب في مصلحة إسرائيل، قالت إيلانا شتاين، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، لشبكة الأنباء الإنسانية: "علينا أن ننتظر حتى يتقدم الطرفان المصري والفلسطيني بمقترحات جادة. وفور أن يصبح الأمر واضحاً، سنكون مستعدين لمناقشته".

لكن المحللين قالوا أن معبر رفح غير مصمم لأي من هذه الاحتمالات ويجب أن يتم تطويره. وبالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن ترغب مصر، التي تسعى جاهدة لتقديم ثمار ثورتها الأخيرة لسكانها البالغ عددهم 90 مليون نسمة، في السماح للعمال الفلسطينيين بالمنافسة على الوظائف الشحيحة وسط ارتفاع معدلات الفقر.

المستفيدون من الأنفاق

من المرجح أن تكون هناك معارضة داخلية أيضاً. ففي حين أن فتح، الحزب السياسي الحاكم في الضفة الغربية، يدعم التحرك المصري لإغلاق الأنفاق، قائلاً أنه "يخدم فئة قليلة من أصحاب المصالح الخاصة،" يقول المحللون أن محاولات إغلاق الأنفاق بشكل دائم قد تلقى مقاومة كبيرة.


وتتراوح القيمة التقديرية للسلع التي تمر عبر الأنفاق سنوياً بين 500 و700 مليون دولار، وتحصل حكومة حماس عنها رسوماً لا تقل عن 14.5 بالمائة منذ أوائل عام 2012، وفقاً لتقرير جديد صادر عن مجموعة الأزمات الدولية. هذا وتسيطر عدة عائلات ذات نفوذ قوي على أرباح الأنفاق التي تأتي من كل سلعة تمر من خلالها. فيكلّف تهريب شخص عبر الأنفاق 25 دولاراً، أما تهريب سيارة فيكلف حوالى 500 دولار. ومن المعتقد أن حوالى 13,000 سيارة وصلت إلى قطاع غزة عبر الأنفاق في عام 2011. وتجدر الإشارة إلى أن صحيفة الإيكونوميست قد نقلت عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قوله أن "800 مليونير و1,600 شبه مليونير يسيطرون على الأنفاق على حساب المصالح الوطنية المصرية والفلسطينية".

وساهمت الأنفاق مؤخراً في تحقيق طفرة البناء، حيث تم إنشاء الحدائق والشقق والمساجد بمساعدة مستثمرين مثل البنك الإسلامي للتنمية الذي ترأسه المملكة العربية السعودية. والانتقال إلى مستقبل خال من الأنفاق يجب أن يتصدى لهذه المصالح. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال ناثان ثرول، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية: "صحيح أن هناك فئة من الناس استفادت من الأنفاق ... ولكن يمكن لحماس أن تحل هذه المشكلة عن طريق إشراكهم في التجارة المشروعة". وحماس أيضاً ستكسب المزيد من المال عن طريق تحصيل رسوم جمركية أكثر مما تحصل عليه في الوضع الحالي، الذي يتيح للوسطاء التربح أيضاً. ولكن ثرول قال: "أنا لا أعتقد أن هذه عقبة كبيرة مثل العقبات الأخرى".

سياسة معقدة

وتبقى إحدى العقبات الرئيسية الأخرى هي ردة فعل إسرائيل. فقد أثارت الدعوات لتحسين العلاقات التجارية مع مصر مخاوف من أن تستغل إسرائيل هذه الفرصة لتنفض يدها من أي مسؤولية عن قطاع غزة: بمجرد فتح معبر رفح أمام السلع التجارية، يمكن أن تقول إسرائيل أنها لم تعد مضطرة لفتح معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم) - الذي يعتبر نقطة الدخول الرسمية الوحيدة للبضائع المستوردة. "وقد تكون هذه نهاية المسؤولية الإسرائيلية عن غزة،" كما أوضح ثرول.


الصورة: أندرياس هاكل/إيرين
مصنع أثاث في غزة. هل سيفتح الباب أمام الصادرات قريباً؟

ومن شأن هذه الخطوة أن تقوض الجهود المبذولة لتحقيق الوحدة الفلسطينية من خلال المزيد من الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية. ولهذا السبب، حتى حماس حريصة على عدم الدفع بقوة لجلب السلع المستوردة إلى غزة. وأفاد حمد: "لا نريد أن نرى إسرائيل تغلق معبر كرم أبو سالم. إسرائيل تريد فقط دفعنا نحو مصر، ولكننا نعتبر غزة جزءاً من الوطن الفلسطيني". وأضاف الشوا، الوزير السابق في السلطة الفلسطينية: "إنها مناقشة جادة. هل نريد اقتصاد مستقل في غزة؟ علماً أن هذا قد يأخذنا إلى حقبة جديدة من الانفصال الفلسطيني".

كيرم شالوم هو نقطة العبور الوحيدة التي يسمح فيها بدخول السلع التجارية والإنسانية من إسرائيل إلى غزة، وحتى عند فتحه، تجاهد وكالات الإغاثة باستمرار لاستيراد إمدادات كافية لتلبية الاحتياجات التشغيلية. ويعتقد بعض المحللين بأن الرئيس الإسلامي المنتخب حديثاً في مصر، محمد مرسي، سيجعل منطقة التجارة الحرة مشروطة بنجاح المصالحة الفلسطينية، في حين يقول آخرون أنه يمكن أن يتحرك قدماً في غياب الوحدة الفلسطينية.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية، أفاد عبد المنعم سعيد، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة أن "العلاقة بين مصر وإسرائيل وحماس معقدة. مرسي يعرف أنه لا يستطيع السماح بتجويع الفلسطينيين في غزة، وهناك ضغوط من داخل الإخوان [المسلمين] لدعم حماس". ومن ناحية أخرى، فإن التعاون الأمني الوثيق مع إسرائيل في سيناء يفرض على مصر بعض القيود.

ومن جانبه، قال دبلوماسي أوروبي في القدس طلب عدم ذكر إسمه أن "مرسي سيفعل ما بوسعه لتلبية التزاماته الإنسانية عن طريق السماح بمرور الأشخاص، ولكن القضية الأمنية مع إسرائيل هي الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن". كما يعتقد مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة، أن مصر في وضع حساس للغاية: "من ناحية، هم لا يريدون أن يُنظر إليهم على أنهم يتعاونون مع إسرائيل من خلال فرض حصار على قطاع غزة مثلما فعل مبارك. وفي نفس الوقت، لا يريدون أن يُلاموا على إنهاء العلاقة مع إسرائيل".

لذا، فإن حماس تعترف بأن آمالها في إقامة منطقة تجارة حرة من غير المرجح أن تتحقق في المستقبل القريب. وهي تركز في الوقت الحالي على "خيارات أكثر واقعية"، مثل السماح لمزيد من الناس بالعبور من رفح والتصدير من غزة بقليل من النجاح. وبعد أن خففت مصر تدريجياً القيود على معبر رفح في شهر مايو الماضي، اتفق مرسي مع زعيم حماس إسماعيل هنية في الشهر الماضي على زيادة عدد المسافرين من المعبر إلى 1,500 شخص يومياً وزيادة كمية الوقود القطري المسموح بدخوله إلى القطاع. وقال حمد: "أعتقد أن هناك فرصة لاستخدام معبر رفح لأغراض تجارية، وليس فقط لمرور الصادرات، ولكن ربما ما زال الوقت مبكراً جداً الآن على سماع رد من المصريين".

ah/ha/rz-ais/bb