جيبوتي: المهاجرون يخاطرون بكل شيئ بحثاً عن" حياة أفضل"

 يجتاز آلاف المهاجرين الطريق بين جيبوتي العاصمة ومدينة أوبوك الساحلية وهم لا يحملون سوى قنينة ماء وبعضاً من الأمل في حياة أفضل. وتأخذهم رحلتهم عبر مناطق قاحلة تتناثر فيها الصخور البركانية التي لا يرتادها سوى الرعاة وقطعان الماعز الخاصة بهم. ويبلغ متوسط درجات الحرارة نحو 34 درجة مئوية في فصل الشتاء وقد يصل إلى 52 درجة في الصيف.

هذه مجرد قسم من الرحلة التي يخوض غمارها غالبية المهاجرين القادمين من الصومال أو إثيوبيا ليحصل المحظوظون منهم فقط في نهاية المطاف على وظيفة بأجر "جيد" في المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من أن المهاجرين، وأغلبهم من الشباب الإثيوبي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 سنة، يميلون إلى التهوين من مخاطر مثل هذه الرحلة، إلا أن حكومة جيبوتي ذكرت في سبتمبر 2011 أنه تم العثور على جثث نحو 60 مهاجراً إثيوبيياً قرب بحيرة عسل، الواقعة على بعد نحو 120 كيلومتراً غرب مدينة جيبوتي.

ومن غير المعروف إذا كانوا قد ماتوا بسبب تلوث مياه الشرب أو العطش والإجهاد بعد تخلي المهربين عنهم، ولكن بيورن كيرلي، مسؤول الحماية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون للاجئين في جيبوتي وصف مصيرهم بكونه "أحد المخاطر التي يواجهها هؤلاء الناس أثناء هذه الرحلة في واحدة من أكثر المناطق سخونة وقسوة في العالم".

ومن بين المهاجرين الذي غامروا بخوض هذه الرحلة، جمال ييمار، وهو عامل بناء من أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، الذي تمكن من إتمام رحلة استغرقت ثمانية أيام إلى جيبوتي، ولكنه تعرض لسرقة مبلغ 10,000 فرنك جيبوتي (57 دولاراً) الذي كان يدخره ليدفعه لأحد المهربين لمساعدته على العبور إلى اليمن. وقد علق على وضعه، وهو يقف أمام المسجد الرئيسي في أوبوك مع حوالي 50 مهاجراً إثيوبياً آخرين ينامون هناك أثناء الليل، بقوله أن "الوضع هنا بائس بالنسبة للجميع. لا بد لي من التسول للحصول على الطعام".

وكان ييمار قد عمل طيلة خمسة أشهر لجمع ما يكفي من المال لهذه الرحلة. وعلى الرغم مما مر به، يبقى متفائلاً بشأن حظوظه في تعويض المبلغ المسروق والعبور إلى اليمن الذي يتخبط حاليا في موجة من الصراع الداخلي، ثم التوجه إلى الحدود السعودية من هناك. ويقول بيمار: "ستختفي المشاكل في اليمن بعد وقت قصير. أنظر إلى يدي، يمكنني تحمل العمل الشاق، وهناك [في السعودية] يدفعون المال الكثير".

العدد يفوق طاقة الاحتجاز

يقول كيرلي، المسؤول بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنه من الممكن أن تكون الاضطرابات في اليمن قد سهلت مهمة المهربين بدلاً من ردع الرغبة في الهجرة،. حيث وصل أكثر من 60,000 مهاجر إلى هناك خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2011، أي ضعف العدد الذي وصل إلى المنطقة خلال نفس الفترة من عام 2010. كما أن قرب المسافة إلى أوبوك عبر خليج عدن يجعلها نقطة انطلاق مغرية.


وفي هذه البلدة الساحلية الهادئة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 8,000 نسمة، يسهل التعرف على مجموعات من المهاجرين الرجال في أغلب الأحيان، والنساء أحياناً، وهم يستريحون في ظل المسجد أو يغسلون ملابسهم قبالة رصيف الميناء أو يمشون نحو قطعة أرض كبيرة خلاء على مشارف المدينة حيث ينام العديد منهم.

ووفقاً لبحث أجراه المجلس الدنمركي للاجئين في يناير 2011، يختار آخرون الإقامة بعيداً عن الأنظار في منازل المهربين أو في مناطق ساحلية منعزلة شمال البلدة.

وخلال الفترة من يوليو إلى أكتوبر من هذا العام، قام مركز الاستجابة للهجرة بأوبوك، الذي تديره المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بالاشتراك مع جمعية تأهيل وتنمية أوبوك (أردو)، وهي منظمة غير حكومية محلية، بتسجيل 2,500 مهاجر. ولكن من المعتقد أن يكون الكثيرون منهم قد تجنبوا اللجوء إلى المركز، الذي يقدم موظفوه المياه والإحالات الطبية وبعض المساعدات للقلة التي ترغب في العودة إلى ديارها، ولكنه لا يوفر الطعام أو المأوى أثناء الليل.

من جهته، يقدر عمر فرادا، عمدة أوبوك (وهو أكبر مسؤول بالبلدة) عدد المهاجرين الذين يمرون ببلدته كل عام بنحو 30,000 شخص. وقد تحدث لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن ذلك بقوله: "كنا نقدم لهم وجبات الإفطار والغداء والعشاء ونتحمل نفقات القوارب التي تعيدهم إلى مدينة جيبوتي [حيث يتم ترحيلهم من هناك]، ولكن الآن أصبحت أعدادهم كبيرة جداً".
ولا يتلقى فرادا أية أموال إضافية من الحكومة لتغطية تكاليف احتجاز وتغذية ونقل المهاجرين. كما تحدث أحد ضباط الشرطة المحليين عن صعوبة إلقاء القبض على المهاجرين بسبب ارتفاع أعدادهم يوماً بعد يوم.

ويعتمد المهاجرون مثل ييمار، الذين تعرضوا للسرقة على أيدي قطاع طرق أو المهربين أنفسهم، في غذائهم على الصدقة التي يقدمها السكان المحليون، وأحياناً يعملون بأجر في نقل البضائع من القوارب الموجودة في الميناء، ولكن هناك حدود لما يستطيع سكان هذه البلدة الصغيرة تقديمه لهذا السيل من المهاجرين الجياع.

''سوف تختفي المشاكل في اليمن بعد وقت قصير. أنظر إلى يدي، يمكنني تحمل العمل الشاق، وهناك [في السعودية] يدفعون المال الكثير''

وهو ما تحدث عنه ميليس فانتاي، وهو مهاجر إثيوبي آخر أمضى 40 يوماً نائماً خارج المسجد يتسول الطعام بعد اختفاء المهرب الذي كان قد دفع له 1,350 بر إثيوبي (78 دولاراً أمريكياً) لنقله إلى اليمن، بقوله: "كانوا يعطوننا أشياء من قبل، ولكن الآن أعدادنا تتزايد ولم يعودوا يمنحونا شيئاً".

وقد أثر تدفق المهاجرين أيضاً على موارد مستشفى أوبوك، حيث تشير تقديرات كبير الأطباء حلم إبراهيم حسن إلى أن المهاجرين يشكلون 10 من كل 40 مريضاً الذين يقوم بفحصهم يومياً في العيادات الخارجية، يعاني معظمهم من أمراض ناجمة عن آثار رحلتهم الصعبة، مثل الملاريا وسوء التغذية و إصابات القدمين.

ولكن الأخطر من ذلك، أن حوالي 100 مهاجر يعانون في الغالب من الكوليرا دخلوا المستشفى منذ يونيو الماضي. وأضاف حسن "إنهم يصابون بها نتيجة لشرب المياه الملوثة. وفي بعض الأحيان، ينهارون على الطريق وتنقلهم سيارة الإسعاف إلى هنا".

حالات الوفاة في نقاط المغادرة

يقطع العديد من المهاجرين جزءاً من الرحلة إلى أوبوك بواسطة سيارة أو شاحنة، ولكن عثمان كينو الذي يبلغ من العمر 21 عاماً، وهو طالب من منطقة أوروميا الإثيوبية يدرس الهندسة الكهربائية، قطع الرحلة بأكملها على الأقدام لمدة تزيد عن ثلاثة أسابيع مسافراً مع مجموعة تتكون من 32 شخصاً آخرين التقى بهم على الطريق.

وذكر أنهم كانوا يمشون لعدة أيام دون العثور على الماء، وعندما يجدوه فإنهم يملؤون جميع الحاويات التي يستطيعون حملها. وكان طعامهم الوحيد يتمثل في عصيدة "بيسو"، المصنوعة من دقيق الشعير والماء والسكر.

ولم يعرف والدا كينو مكانه حتى اتصل بهما هاتفياً من مدينة جيبوتي طالباً منهما تزويده ببعض المال. وقد أشار إلى رفاقه المسافرين كانوا قد دفعوا لمهرب 2000 بر (116 دولاراً) عن كل شخص لنقلهم إلى اليمن، ولكنهم لا يعلمون أي شيء عن موعد مغادرتهم.

وأثناء حديثهم إلى إيرين في منطقة خارج المدينة حيث كانوا ينتظرون طوال الأيام الثلاثة الماضية، اقترب منهم رجل محلي يحمل عصا فأسرع إليه المهاجرون، الذين كان من بينهم امرأتان صوماليتان. فأجلسهم الرجل في صفوف وأحصاهم عدة مرات بعصاه، ثم قسمهم إلى مجموعتين ووزع عليهم أكياساً من الخبز وبعض المياه المعبأة. وهذا يشير إلى أن موعد الرحيل بات وشيكاً وسرعان ما سيتم نقلهم إلى أحد المناطق الساحلية المنعزلة شمال أوبوك.

اقرأ المزيد

 تحديات جديدة تواجه المهاجرين في اليمن

 اليمن: اللاجئون الأفارقة يواجهون المشقات على أيدي المهربين

وأشار تقرير لمجلس اللاجئين الدنمركي إلى "أن المهاجرين لا يستطيعون الحصول على الغذاء والماء الصالح للشرب أو الاحتماء من أشعة الشمس أثناء وجودهم في نقاط المغادرة". وينتظر المهاجرون في كثير من الأحيان ما بين ثلاثة وخمسة أيام حتى تصبح الظروف مواتية لعبور البحر إلى اليمن.

وأضاف التقرير أن " الوافدين الجدد أبلغوا عن حدوث عدة وفيات في نقاط المغادرة خلال العام الماضي. ويحتاج العديد من الوافدين الجدد في اليمن إلى علاج طبي لحالات الجفاف الشديد والإسهال الحاد، كما يعاني بعضهم من إعياء شديد بسبب شربهم لمياه البحر".

ويعد الموت في البحر، سواء بسبب انقلاب القوارب لسوء الطقس أو الاختناق أو إجبار المهربين لبعض الركاب على القفز من القوارب التي تحمل أعداداً أكبر من طاقتها، مخاطرة كبيرة. ويقضي بعض المهاجرين أوقاتهم في أوبوك في تعلم السباحة.

وقد أبدى كينو استعداده لخوض غمار مغامرة الهجرة مهما كانت المصاعب قائلا: "أنا لست خائفاً. والديَّ يريداني أن أعود إلى الوطن، ولكني لا أريد أن أعود إلى هناك مدى الحياة".


ks/he-ais/amz