أفغانستان: المدنيون يدفعون ثمن النزاع مع طالبان

بالنسبة لعبد القادر، 44 عاماً، فإن الحياة في مقاطعة غيرشك، مسقط رأسه، الواقعة على بعد 50 كلم من مدينة لاشكارغا عاصمة إقليم هيلمند جنوب أفغانستان، قد أصبحت مستحيلة.

ولا يكمن السبب في تخليه وأسرته عن محلهم التجاري ومزرعتهم وبيتهم في مقاطعة غيرشك بسبب تصاعد النزاع وبداية الجفاف فقط، وإنما يتعداه، حسب تصريحه، إلى الضغط المتزايد الذي يمارسه عليه مقاتلو طالبان للانضمام إليهم. وقد أخبر عبد القادر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن معاناته قائلاً: في إحدى الليالي قام حوالي خمسة أو ستة أشخاص من مقاتلي طالبان باقتحام بيتنا، وطلبوا منا أن ندفع لهم مبلغ 2,000 أفغاني [أي ما يعادل 40 دولاراً] عن كل شاب بالأسرة أو أن نلتحق بمجاهدي طالبان".

وفي نفس السياق، أطلعنا الحاج خديداد الذي كان قد غادر بيته في مقاطعة كاجاكي بإقليم هيلمند منذ شهرين، عن تجربته قائلاً: "في مساء ذات يوم، جاء مقاتلو طالبان إلى مسجد قريتنا. حدثونا عن الجهاد وطلبوا منا مناصرتهم إما بالمال أو بالدم".

قمع طالبان

وقال زاهر عظيمي، الناطق باسم وزارة الدفاع الأفغانية بأن لمتمردي طالبان تاريخ معروف في استغلال وسوء معاملة المدنيين في حربهم ضد الحكومة الأفغانية وحلفائها الدوليين. وأضاف قائلاً: "إننا نعمل كل ما في وسعنا لتجنيب مواطنينا التعرض لقمع طالبان".

ويحاول الجيش الأفغاني جاهداً حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لطالبان في العديد من المدن والقرى في الجنوب والتي عرفت بتاريخها الطويل في مقاومة قوات الاحتلال. وتعد المدارس التقليدية بالقرى المصدر الأساسي لتنجيد مقاتلي طالبان.

وكان نظام طالبان الذي حكم أفغانستان خلال الفترة من 1996 إلى 2001 قد تعرض للإطاحة نتيجة الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على البلاد في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول 2001 التي استهدفت نيويورك. ومنذ ذلك الحين دخل مقاتلو طالبان في حرب عصابات ضد القوات الأفغانية والدولية، في حين شهدت السنة الماضية عودة منظمة لصفوف طالبان.

ويشتهر مقاتلو طالبان بقطع رأس وإعدام كل من يتهمونه بالتجسس أو التعاون مع العدو. ويطلق زعماؤهم على هؤلاء الأشخاص ألقاباً مثل الخونة والكفرة. كما يؤكدون أنهم أصحاب الحق في حكم البلاد وبأن الحكومة الأفغانية الحالية هي مجرد حكومة دمى تحركها الولايات المتحدة.

وقد توعد زعماء طالبان بمواصلة قتال الحكومة الأفغانية وحلفائها الدوليين، ففي 23 مايو/أيار، خرج الزعيم الجديد لطالبان، داد الله منصور وهو الأخ والبديل للزعيم الراحل ملا داد الله، بأول تصريح علني له قال فيه بأن طالبان "ستواصل الجهاد إلى أن ترحل القوات الغازية".

ولا زالت المواجهات والعمليات العسكرية دائرة بين مقاتلي طالبان وقوة إرساء الأمن في أفغانستان (إيساف) التي يقودها حلف شمال الأطلسي والجيش الأفغاني والقوات الأمريكية. وقد راح العديد من المدنيين ضحية هذه المواجهات واضطر العديد منهم إلى النزوح.

النزوح المؤقت

''في مساء ذات يوم، جاء مقاتلو طالبان إلى مسجد قريتنا. حدثونا عن الجهاد وطلبوا منا مناصرتهم إما بالمال أو بالدمن''

ووفقاً لعبد الستار مزاهري، مدير شؤون اللاجئين والنازحين بإقليم هيلمند، فإن ما يناهز عن 10,000 أسرة [أي 50,000 شخص على الأقل] قد اضطروا للنزوح في سبع مقاطعات من هذا الإقليم غير المستقر. كما أوضح بأن "كل النازحين تقريباً تأثروا بالنزاع الدائر وبعودة طالبان".

وأفاد مسؤولون في كابول بأن عشرات الآلاف من النازحين في الجنوب والجنوب الغربي للبلاد هم نازحون "مؤقتون" سيتمكنون من العودة إلى ديارهم قريباً بعد نهاية النزاع الدائر في المنطقة.

ومن جهته قال شجاع الدين شجاع، المستشار لدى وزارة اللاجئين والعائدين، في 15 يوليو/تموز بالعاصمة كابول بأن "العمليات العسكرية غالباً ما تنتهي بعد أيام من بدئها، وعندئذ لا يبقى أمام اللاجئين أية عقبة للعودة إلى ديارهم".

لا تعويض للمدنيين

الصورة: سلطان مسعودي/ إيرين

أحد ضحايا القصف الجوي على طالبان بإقليم أوروزغان

يقول موظفو الإغاثة والمدنيون بأن الحكومة والقوات الدولية لن تقدم أية تعويضات للمدنيين المتضررين من العمليات العسكرية. وتشكو بعض الأسر النازحة بأنها لا تستطيع العودة إلى قراها الأصلية لعدم قدرتها على إعادة بناء بيوتها التي تعرضت للدمار بسبب المواجهات أو لعدم تأكدها من أن هذه المواجهات لن تعود للاشتعال مرة أخرى.

وقال الحاج حكيم آغا الذي عاد ليتفحص بيته في إقليم سانغين الواقع على بعد 100 كلم شمال شرق لاشكارغا، وذلك بعد 15 يوماً من بدء المواجهات الأخيرة: " لقد دمروا كل شيء".

وحسب الإدارة الإقليمية لشؤون اللاجئين والنازحين، فإن معظم الأسر النازحة تحتاج إلى مساعدات إنسانية. وأوضح شجاع بأن "الحكومة لم تتمكن إلى الآن من توفير الإغاثة الإنسانية اللازمة"، حيث تسببت المواجهات في مناطق الجنوب والشرق والجنوب الشرقي في الحد من المساعدات الإنسانية وأعمال التطوير، كما عرقلت الوصول إلى العديد من المناطق المتأثرة بالنزاع مثل أقاليم هلمند، وأوروزغان وزابول.

 

"