باكستان : عمليات الإجهاض السرية تهدد صحة الملايين

اعتاد المقيمون على جانبي طريق المعبد Temple Road المزدحم في مدينة لاهور، عاصمة مقاطعة البنجاب الشرقية، على بعض المشاهد غير العادية. حيث تقول روبينا بيبي، إحدى ربات البيوت بالمنطقة: بين الحين والآخر، نرى دماء أو أجزاء من أجنة مجهضة عائمة في مصرف المياه الذي يمر بين المنازل والمحال التجارية".

ويحوي هذا الشارع في لاهور ما يزيد عن عشر "عيادات إجهاض" غير مشروعة، تعرف باسم "عيادات صافيا". وعادة ما تتولى القابلات إدارة هذه العيادات التي يزورها عدد كبير من النساء الراغبات في الإجهاض واللواتي يواجهن صعوبات في القيام بذلك داخل مجتمع يعتبر الإقدام على الإجهاض وصمة عار كبرى، ولا يسمح به إلا في ظروف محدودة للغاية.

وقد علقت عظمى بروين (ليس اسمها الحقيقي)، مديرة واحدة من هذه العيادات، على تزايد الإقبال على الإجهاض بقولها: "تشهد نسبة [الإجهاض] تزايدا ملحوظا. فمع ارتفاع معدل التضخم، أصبحت القليل من العائلات فقط تستطيع تحمل نفقات عدد كبير من الأطفال"، موضحة أن عيادتها كانت قبل سنتين أو ثلاث سنوات مضت تستقبل عشر نساء شهرياً، أما الآن فقد أصبح العدد يتراوح بين "15 و20" امرأة.

ووفقاً لتقرير صادر عن اللجنة الوطنية لصحة الأم والطفل ومعهد غوتماكر بنيويورك Guttmacher Institute، الذي يعمل في جميع أنحاء العالم من أجل النهوض بالصحة الجنسية والإنجابية، فقد "قدرت دراسة شملت جميع أرجاء البلاد أنه تم إجراء 890,000 عملية إجهاض خلال عام 2002 ، أي ما يعادل نسبة 29 حالة إجهاض لكل ألف امرأة".

وبالرغم من أن حوالي 30 بالمائة من النساء المتزوجات يستخدمن وسائل منع الحمل، إلا أن ربعهن، أي حوالي 6.6 مليون امرأة خلال عام 2007، كن يحتجن لاستخدام وسائل منع الحمل دون أن يتاح لهن ذلك حسب دراسة اللجنة الوطنية لصحة الأم والطفل ومعهد غوتماكر. ويرجع السبب في ذلك إلى معارضة أزواجهن وانتشار الاعتقاد بأن الله وحده يقرر ما إذا كان الطفل سيخرج للحياة أم لا بالإضافة إلى قلة الوعي. وهي كلها عوامل تؤدي إلى انخفاض مستويات استخدام وسائل منع الحمل.

كما أشار التقرير إلى أن معدلات الإجهاض أعلى بكثير في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي وإقليم بلوشستان الريفيين. وتقدر نسبة الإجهاض في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي بحوالي 37 حالة لكل ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 و49 سنة. أما في بلوشستان، فتصل النسبة إلى 38 حالة لكل ألف امرأة. ويرتبط انخفاض المعدلات في ولاية البنجاب وإقليم السند إلى 25 بالألف و31 بالألف على التوالي بزيادة استخدام وسائل منع الحمل في المناطق الحضرية.

وكان مجلس السكان الواقع بالولايات المتحدة قد توصل من خلال بحث أجراه في المناطق الريفية بولاية البنجاب إلى أن المرأة تلجأ إلى الإجهاض عندما لا تتوفر لها وسائل منع الحمل. وذكر أن "النساء تحاولن إجهاض الحمل غير المرغوب فيه بكل الوسائل حتى لو اعترض أزواجهن على مثل هذه الممارسة". كما تلجأ معظم النساء للإجهاض تفاديا لتجاوز تكبير حجم الأسرة أكثر من ثلاثة أطفال في المتوسط، بسبب الفقر المتفشي في البلاد.

عامل الفقر

تقول آمنة بيبي (ليس اسمها الحقيقي)، وهي تقف خارج عيادة إجهاض سرية: "آتي إلى هنا للمرة الثانية للخضوع لعملية إجهاض. أنا أعلم أن ذلك سيء، ولكن ما عساي أفعل؟ لدي أربعة أطفال ولا يمكنني تحمل أعباء المزيد". وتوجد العيادة في غرفة قذرة، تبدو المعدات المستخدمة فيها من قبل القابلة التقليدية بدائية للغاية، وتغيب فيها أجهزة التعقيم وتملأ المفرش الموضوع على سريرها بقع كثيرة.

وتتساءل آمنة، التي تبدو في شهرها الثالث من الحمل، قائلة: "أي خيار لدي سوى أن آتي إلى هنا؟ لا أحد يساعدني بالرغم من أن مجرد التفكير في هذه التجربة والآلام التي ستسببها يملأني رعبا".  وتتوقع آمنة أن تدفع نحو 2500 روبية (ما يعادل 30 دولاراً أمريكياً) مقابل عملية الإجهاض. وتتراوح أسعار عمليات الإجهاض بين 1700 روبية (21 دولاراً) و 4150 روبية (50 دولاراً).

أما نسيم بيبي (ليس اسمها الحقيقي)، أخت آمنة التي رافقتها إلى العيادة فتقول: "أنا أستخدم حبوب منع الحمل التي أعطتها لي الممرضة سراً. سيغضب زوجي إذا عرف بالأمر. فالرجال يعتقدون أن حبوب منع الحمل قد تشجعنا على معاشرة رجال آخرين دون الخوف من حدوث حمل". ونسيم أم لولدين صغيرين وهي أيضا لا ترغب في المزيد من الأطفال في الوقت الراهن.

من جهتها، وضحت  مريم وقاص، من اللجنة الوطنية لصحة الأم والطفل، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الكثير من الأطباء الممارسين يعرفون أن الإجهاض غير قانوني ويرفضون إجراءه. لذلك تتجه النساء إلى الدجالين الذين يجرون عمليات إجهاض في ظروف غير مأمونة يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات خطيرة. وينتهي الحال بكثير من النساء في المستشفيات وقد يلقى بعضهن حتفه بسبب ذلك. إن الإجهاض في ظروف غير آمنة يؤثر سلبا على صحة النساء".

الرعاية في فترة ما بعد الإجهاض

وفقاً لتقرير اللجنة الوطنية لصحة الأم والطفل ومعهد غوتماكر، قدرت الدراسة الوطنية لعام 2002 أن 197,000 امرأة باكستانية نقلن إلى المستشفيات بسبب معاناتهن من مضاعفات ما بعد الإجهاض غير المأمون. ولا تحصل سوى حوالي 50 بالمائة فقط من النساء الفقيرات اللواتي عانين من مضاعفات الإجهاض على الرعاية اللازمة بالمستشفيات. كما كشفت دراسة تم إجراؤها في أحد المستشفيات الكبيرة بكراتشي على مدى 21 شهراً أن المضاعفات الخطيرة لما بعد الإجهاض أودت بحياة عشرة بالمائة من النساء اللواتي دخلن المستشفى لتلقي الرعاية إثر خضوعهن لعمليات إجهاض.

وفي هذا السياق، قالت روبينا أحمد، وهي طبيبة أمراض نساء في واحدة من عيادات المجتمع، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نستقبل باستمرار نساء عانين من مضاعفات حادة بعد الإجهاض. ولكن الكثير منهن يصلن في وقت متأخر جداً بسبب خوف أسرهن من إحضارهن في البدء. كما أن القليل منهن فقط هن اللواتي يعترفن بأنهن خضعن لعمليات إجهاض. وتعتبر العدوى والنزيف الشديد المشكلتين الأكثر شيوعاً لدى معظم هؤلاء النساء".

kh/ed/cb/oa – ais/az

"