سهولة التنقل مفتاح التكيف مع تغير المناخ - خبراء

يقدم المتخصصون الذين يدرسون احتمال نزوح السكان نتيجة لآثار تغير المناخ على نطاق واسع عدة تنبؤات متباينة، لكن غالبيتهم يتفقون على أنه لا بد لواضعي السياسات أن يفهموا أن الهجرة تشكل آلية حيوية بالنسبة للسكان المعرضين للخطر وأن يفعلوا المزيد للمساعدة في إعداد المناطق التي يتجه إليها المهاجرون.

 وقالت سيسيليا تاكولي، كبيرة الباحثين لدى منظمة غير حكومية مقرها لندن تسمى المعهد الدولي للبيئة والتنمية أنه "يُنظر إلى الهجرة والتنقل دائماً على أنهما استثناء ولكنهما القاعدة.  فالتنقل يساعد الناس على الخروج من الفقر ... وإذا كان المتأثرون بتغير المناخ يفتقرون إلى الموارد أو يحتاجون إلى تنويع مصادر دخلهم، فينبغي التعامل مع هذا الافتقار بدلاً من أن يتم النظر إليه على أنه مشكلة".

ومن المتوقع أن تنشر تاكولي دراسة بعنوان 'أزمة أو تكيف؟ الهجرة وتغير المناخ في سياق التنقل السريع'، في شهر أكتوبر.

الإحصائيات

بدوره، قال نورمان مايرز، عالم البيئة الشهير والزميل في كلية القرن الحادي والعشرين التابعة لجامعة أكسفورد، والذي أكمل لتوه دراسة للوكالة السويدية للتنمية الدولية، أن "مئات الملايين" من الناس قد يضطرون إلى النزوح من منازلهم بسبب أزمات متعلقة بالبيئة وتدهورها بحلول عام 2040.

وفي عام 2007، قدرت وكالة المعونة المسيحية، وهي منظمة غير حكومية، أن ما يقرب من 250 مليون شخص قد يضطرون للنزوح بحلول عام 2050 نتيجة لآثار تغير المناخ. وفي عام 2001، توقعت دراسة أجرتها سوسميتا داسجوبتا لصالح البنك الدولي أنه يمكن لارتفاع مستوى سطح البحر أن يجبر مئات الملايين من الناس على الانتقال في غضون هذا القرن.

ويعيش حتى 70 بالمائة من الناس الذين يسكنون المدن التي يصل عدد سكانها إلى 5 ملايين نسمة أو أكثر على بعد  كيلومتر إلى كيلومترين اثنين من الممرات البحرية، وفقاً للأمم المتحدة.

لكن تاكولي، باحثة المعهد الدولي للبيئة والتنمية، أفادت أن الأرقام المتوقعة للمهاجرين مبالغ فيها، لأنها تميل إلى الاعتماد على تقديرات عدد السكان في المناطق التي يتعاظم فيها احتمال التأثر بتغير المناخ، بدلاً من التركيز على عدد الأشخاص الأكثر عرضة للتنقل.

بدورها، قالت كوكو وورنر، رئيسة قسم الهجرة البيئية والضعف الاجتماعي والتكيف في جامعة الأمم المتحدة، أن العديد من المتغيرات تجعل دقة التنبؤ بأعداد المهاجرين صعبة أو مستحيلة.

وأسهبت بالقول: "عندما نتنبأ بتغيرات البيئة، يمكن أن نشعر بقليل من الثقة، فهناك الكثير من المعلومات المتوفرة، ولكن عندما ندرس البشر يصبح الأمر أكثر صعوبة... فالأرقام تكاد تكون دائماً مبنية على أساس معلومات التعداد الذي يجرى مرة كل خمس إلى عشر سنوات، ولذلك كل ما تحصل عليه هو فكرة عامة فقط".

وأضافت أن هذه الأرقام لا تشير إلى سبب نزوح الأشخاص أو الدوافع الاجتماعية التي تقف وراء تحركاتهم.

وقد دافع مايرز عن توقعاته حيث قال: "لا ينبغي أن يؤخذ هذا على أنه الحقيقة المجردة، بل على أنه مبني على تقديرات مدروسة. وإذا التزم العلماء الصمت حيال الأرقام، سيقول صناع القرار أن عدم وجود أدلة يعني عدم وجود مشكلة".

الحلول المحلية

وحتى الآن، تشير الأبحاث عن تحركات السكان الناتجة عن الكوارث الطبيعية إلى أن أكثر الناس تضرراً ينتقلون داخل حدود بلد ما. كما يصبح السكان الأكثر ضعفاً هم الأقل قدرة على الرحيل مع بقاء الهجرة الدولية لمسافات طويلة أصعب الخيارات المتاحة.

كما تميل الأحداث النادرة شديدة الخطورة إلى دفع الناس نحو الهجرة قصيرة الأجل لمسافات قصيرة، في حين أن التغيرات البيئية الأطول أجلاً تدفع الناس إلى هجرات أطول مسافة وأكثر ديمومة، وفقاً لتقرير مركز دراسات اللاجئين الذي أعده جيمس موريسي عام 2009.

وتقوم تاكولي وآخرون بالضغط على صناع القرار للإسراع في مساعدة الدول المعرضة للخطر من أجل الاستعداد محلياً للتكيف مع آثار تغير المناخ من خلال تدعيم البنية التحتية والخدمات الأساسية في المدن الصغيرة بالمناطق الريفية التي يمكن أن تصبح الوجهة المحتملة للمهاجرين.

وأخبرت تاكولي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المدن الصغيرة في المناطق الزراعية تعتبر ذات أهمية خاصة لتوفير سبل المعيشة للفئات الأكثر فقراً، الذين لا يملكون غالباً أرضاً وليس لديهم وسيلة للهجرة إلى المدن الكبيرة".

وأضافت قائلة: "على الحكومات المحلية أن تصنع معظم الفارق في التخفيف من تغير المناخ، فنحن بحاجة إلى دعم من الحكومات الوطنية في البلدان المتضررة من أجل تعزيز ذلك. ولكن في الوقت الحالي نتحدث فقط عن الحكومات الخارجية عندما يتعلق الأمر بالهجرة".

وقال وارنر أن تعزيز التكيف المحلي يمكن أن يقلل أيضاً من عدد الأشخاص الذين أجبروا على الرحيل في المقام الأول.

ولا بد أن يكون هذا الأمر في قلب الجدل الدائر حول المهاجرين، بدلا من إثارة "الخوف من الهجرة" في خطاب صناع القرار والقادة الذين يرى الكثير منهم أن تغير المناخ هي قضية أمن قومي، كما صرح باحثون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

خطاب خوف؟

وقال تقرير صادر في أغسطس عن وزارة الدفاع الأمريكية أن الأزمات الناجمة عن تغير المناخ وما يتصل بها من تحركات في أعداد كبيرة من الأشخاص يمكن أن تسقط حكومات وتغذي الحركات الإرهابية أو تزعزع استقرار مناطق بأكملها. وقد أصدر مركز التنمية والمفاهيم والعقيدة التابع لوزارة الدفاع في المملكة المتحدة تنبؤات مماثلة.

كما حذر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي خافيير سولانا في عام 2008 من أن الهجرة الناجمة عن تغير المناخ "قد تزيد الصراع في مناطق العبور والمقصد. ويجب على أوروبا أن تتوقع زيادة كبيرة في الضغط على الهجرة".

وقال مايرز من جامعة أكسفورد: "من غير المناسب للدول الصناعية أن تبني الحواجز -- سواء المؤسسية أو السياسية أو النفسية -- عبر البحر الأبيض المتوسط لمنع المهاجرين المحتملين من المرور... إذا لم يتلمسوا حلولاً لهؤلاء -- على الصعيدين المحلي والدولي – فسوف يواجهون مشكلة".

وهناك بعض الدلائل على أن الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تقترب من صورة أكثر دقة عن الهجرة البيئية. فالمفوضية الأوروبية تمول أبحاثاً في 24 بلداً معرضاً للخطر من أجل التصدي لديناميكيات الهجرة البيئية والتدقيق في الدروس المستفادة.

وقالت تاكولي أنه بدلاً من إثارة الهلع، ينبغي على القادة تطبيق الدروس المستقاة من الماضي لتحسين السياسات الخاصة بكل من الهجرة والتخفيف من آثار تغير المناخ في السنوات القادمة.

aj/np - aia/dvh