عمر فاروق، العراق: "كأنها نار تقترب منا"

أثناء ذروة العنف الطائفي الذي ضرب العراق في عامي 2006 و2007، قامت  الميليشيات الطائفية بفتح النار وقتل المدنيين عند نقاط التفتيش الزائفة وخارج ديارهم لسبب واحد هو انتماؤهم لهذه الطائفة أو تلك.

وقد شهد ما سُمي بالقتل على أساس الهوية الذي كان يتم على أيدي فرق الموت - وهو أحد الأسباب الرئيسية للوفاة والنزوح في ذلك الوقت - انخفاضاً في السنوات التالية في الوقت الذي تحسنت فيه الحالة الأمنية العامة في البلاد.

غير أنه في الأشهر الأخيرة، رفعت التفجيرات الانتحارية وتفجيرات السيارات الملغومة مستويات العنف في العراق إلى أعلى مستوى لها منذ خمس سنوات. وقد سجل موقع رصد "ضحايا حرب العراق" أكثر من 7,000 حالة وفاة من المدنيين منذ بداية هذا العام.

ويقول محللون أمنيون أن الاغتيالات التي تتم على أساس الهوية وحوادث الاختطاف والتهديدات بالقتل قد شهدت أيضاً ارتفاعاً طفيفاً (لحسن الحظ لم تصل بعد إلى المستويات المسجلة في 2006-2007).

ويعتبر هذا التطور بالنسبة لعمر فاروق البالغ من العمر 34 عاماً أمراً قد شهده من قبل. فقد فر من العاصمة بغداد في 2006 بسبب المخاطر التي كانت تُشكلها الميليشيات الطائفية، وعلى الرغم من أن عائلته تتكون من الطائفتين السنية والشيعية، إلا أن اسم عمر يرتبط بشكل كبير بالمذهب السني للإسلام.

وقبل أربعة أشهر، اُضطر إلى الفرار مرة أخرى. وقد روى قصته لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بعدما شهد جريمة قتل وقعت ف جداً من منزله:

"لقد كانت بغداد [في عام 2006] كالجحيم. ففي الساعة الثانية ظهراً، كنا نغلق الأبواب ونبقى بداخل المنزل لأنه الوقت الذي تبدأ به السيارات تجوب الشوارع سواء لخطف أو قتل الناس.

 من المحزن أن المئات أو حتى الآلاف – لا يتوفر سجل دقيق بذلك – من الرجال الأبرياء قد تعرضوا للتعذيب والقتل [من قبل الميليشيات الشيعية] بسبب حملهم لأسماء سنية. لقد كان تنظيم القاعدة في ذلك الوقت يفعل الشيء نفسه للسنة والشيعة – حيث يقوم بخطفهم وتعذيبهم ثم قتلهم. ولديهم مقولة 'إما أن تكون معنا أو تكون عدونا'.

لقد كان الأمر الأكثر رعباً في ذلك الوقت هو أنهم اعتادوا بيع الأشخاص الذين يحملون إحدى هذه الأسماء [السنية]، مثل عمر أو عثمان أو أبو بكر أو معاوية، لمن يدفع أعلى سعر حتى يقوم المشتري بقتلهم – كأننا نوع من الأضاحي.

لقد عدت ذات يوم إلى البيت ووجدت أسرتي مجتمعة وقالوا: 'لقد حصلنا على تأشيرة لك ولأختك. ولقد كانت أختي تعمل في القطاع الحكومي وفي ذلك الوقت، كان كل من يعمل لدى الحكومة مستهدفاً - الجميع. فأخبرتهم أنني لا أريد أن أتركهم. فقالوا: 'يمكننا البقاء على قيد الحياة ولكن عليك مغادرة البلاد بسبب الاسم الذي تحمله'.

 لسنا آمنين داخل حدود العراق. إنه الشيء نفسه ولكن بطريقة مختلفة: فمن قبل كان اسمي، والآن لأنني عربي

 أقمت في [الإمارات العربية المتحدة] لمدة تسعة أشهر. وفي عام 2007، ذهبت إلى أربيل [ عاصمة المنطقة الكردية شبة المستقلة بشمال العراق]. ولم يتبق أحد في بغداد فقد هجرها الجميع فأصبحت مثل المنطقة العازلة. كانت أربيل أكثر المناطق أماناً في ذلك الوقت بالنسبة للسنة. 

بغداد، 2008

وبحلول عام 2008، استقرت الأمور وتضاءل وجود الجماعات المقاتلة وتبدلت الظروف مرة أخرى. فعدت إلى بغداد وتمكنت أيضاً من العمل في القطاع الحكومي (الذي يديره الشيعة) في مجال تكنولوجيا المعلومات.

كان المدير الرئيسي سعيداً جداً بعملي ولكن المدير الأخر كان يقول، عندما نكون وحدنا: `لا يجب أن تكون هنا... أنت لست محل ترحاب هنا.'

وقد قال لي ذات يوم: 'لديك أم وأب مسنين. ألا ينتابك القلق من أنهم قد يشتاقوا لك في يوم ما؟ ربما يضعك شخص ما في يوم من الأيام في صندوق سيارة وربما لن تعود إلى الوطن أبداً". عدت يومها إلى المنزل وقررت أن أستقيل. ولم أعد إلى هذا المكان مرة أخرى.

وفي هذا العام [2013]، بدأ القتلة باستهداف الناس الذين يحملون أسماء سنية ممن لهم أعمال تجارية صغيرة في الحي الذي أسكن فيه، مثل الأسواق الصغيرة والبقالة أو الحلاقين.

وفي مارس، عقب غروب الشمس، أعطتني زوجتي قائمة من الأشياء لشرائها من السوق. اصطحبت ابنتي معي لأنها تحب الذهاب إلى السوق. يقع المتجر الذي قصدناه مقابل منزلنا على بعد 20 متراً تقريباً.

سمعنا حينها طلقات نارية ... وعندما عبرت الشارع، رأيت الكثير من الناس وقد أخبروني أن صاحب المحل قد قتل للتو واسمه عمر.

أخبرت زوجتي أن الخطر يقترب، وأنه كالنار التي تقترب شيئاً فشيئاً. فقلت 'لست خائفاً على نفسي بل على أطفالي، ولذلك وجب علينا الرحيل'.

من بغداد إلى أربيل

غادرت بيتي في بغداد وتركت أغراضي هناك. جئنا إلى هنا [إلى كردستان العراق] لا نملك شيئاً، لأننا كنا بحاجة إلى تصريح من قيادة عمليات بغداد لنقل ممتلكاتنا إلى محافظة أخرى، ولكن لا يمكنني دخول ذلك المكان، فهو مكان خطر للغاية بالنسبة لشخص يحمل اسماً كاسمي في هذا المجمع. كما يوجد أحد السجون السرية التابعة للحكومة التي تختص بحبس السنيين لاستجوابهم وتعذيبهم.

فاضطررت للبدء من نقطة الصفر في أربيل. كنا ننام على الأرض ونأكل الأغذية المعلبة لأنه لم يكن لدينا أدوات للطهي وخلال فصل الصيف الحار لم يكن لدينا جهاز للتبريد – بالكاد تمكنا من البقاء على قيد الحياة. لكنني استطعت الحصول على عمل وقمنا بشراء بعض السجاد الأسبوع الماضي.

لا يمكننا أن نعود [إلى بغداد]. ففي يوم ما، كنت جالساً على مكتبي [في أربيل] عندما تلقى زميلي مكالمة هاتفية ورأيت وجهه يتجهم. وسألته `هل كل شيء على ما يرام؟" فقال أن قوات آسايش [قوات الأمن الكردية] قد تعرضت لتفجيرات. فشعرت على الفور بالقلق على عائلتي.

"شعرت أنني قد عدت مرة أخرى إلى نفس المكان الذي غادرته. وانهارت كل آمالي تماماً وكأنما رسمت صورة على مرآة ثم تحطمت المرآة.

كان لدى معظم العاملين في الشركة هذه النظرة لسكان بغداد... بدأ الناس في العمل قول أشياء مثل، 'لقد تغيرت الأوضاع منذ قدومكم إلى هنا... عندما جاء العرب العراقيون عندنا إلى كردستان أساؤوا إلينا، فقد رفعوا أسعار كل شيء.'

أخبرت زوجتي أنني أفكر في مغادرة كردستان. فنحن لسنا آمنين داخل حدود العراق. إنه الشيء نفسه ولكن بطريقة مختلفة: فمن قبل كان اسمي، والآن لأنني عربي.

والآن لا أعرف ماذا أفعل؟!

 

co/ha/cb-mez/dvh