مالي تأخذ خطوات بطيئة نحو حماية الأطفال الجنود السابقين

تتلقى مجموعة من بين مئات الأطفال الماليين الذين يُعتقد أن أقدامهم انزلقت في النزاع الأخير الذي شهدته البلاد مساعدة بشكل رسمي. وتقول السلطات في باماكو أن تورط الأطفال في النزاع هو ظاهرة جديدة في البلاد، وأنها تسعى جاهدة من أجل حماية القصر في إطار مجموعة من القوانين الناشئة حديثاً.

فعندما استولت جماعة أنصار الدين الإسلامية، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والمتمردون من الانفصاليين الطوارق في الحركة الوطنية لتحرير أزواد، على شمال مالي بعد إنقلاب مارس 2012، تم تجنيد عدد غير معلوم من الأطفال، أحياناً بالقوة، في الحركات المسلحة.

وقد ذكر تقرير شهر يونيو الصادر عن مجموعة "ووتش ليست" أن أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم السابعة قد وجدوا أنفسهم في صفوف المتمردين، وأوضح التقرير أنه قد تم تكليف القصر بحراسة حواجز الطريق، والطهي والقيام ببعض الأعمال وتم تدريب العديد منهم على استخدام السلاح. كما تم اغتصاب الكثير من الفتيات أو إجبارهن على الزواج.

وقالت كورين دوفكا، الباحثة في منظمة هيومان رايتس ووتش لمنطقة غرب أفريقيا، أن الفقر ساعد على عملية التجنيد حيث تم إغراء العديد من الأطفال بوعود الحصول على المال. ويقال أن كثيراً من الأطفال يأتون من قرى الصغيرة خارج المدن الرئيسية في شمال مالي. وآخرون قامت عائلاتهم بتقديمهم لصفوف المتمردين.

وأوضحت دوفكا أنه "على ما يبدو أن نسبة كبيرة من الأطفال جاؤوا من مجتمعات تمارس الإسلام بشكل أكثر صرامة".

وفي الأسابيع التي تلت الغزو الذي قادته فرنسا في يناير لإيقاف تقدم الإسلاميين نحو ماباكو، عرضت القوات المالية التي كانت تقاتل إلى جانب الفرنسيين على التلفاز المحلي طفلين قيل أنهما كانا بين المقاتلين الإسلاميين. ويشير الخبراء إلى أن هذا العرض يظهر جهلاً بحقوق الطفل. وقد تم نقل الطفلين فيما بعد إلى العاصمة للحصول على الرعاية.

وقال باكاري تراوري، مدير إدارة رعاية الطفولة في البلاد، أن "مالي لم تشهد قط ظاهرة الأطفال الجنود، وكانت أولى حالات الأطفال الجنود هي الطفلين الذين عرضهما الجيش المالي على شاشة التلفاز وهو الأمر الذي شجبناه على الفور لأنه لا يجب عرض الأطفال على اعتبارهم غنائم حرب. فهذا يعد ذلك انتهاكاً لحقوقهم".

وتجري الآن رعاية ثلاثة وعشرين طفلاً تتراوح أعمارهم ما بين 12 و17 عاماً في مركزين في باماكو، حيث تمت إحالتهم إلى هناك بعد أن وقعت الحكومة المالية في فبراير على تعميم داخلي بين الوزارات لحماية الأطفال المتورطين في النزاع. ويتم تقديم الملابس إلى الأطفال في الملاجئ وإطعامهم وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية لهم.

وفي شهر يوليو قامت باماكو أيضاً بتوقيع اتفاق مع منظومة الأمم المتحدة في مالي يدعو القوات المالية إلى تسليم الأطفال الذي تم القبض عليهم أثناء النزاع من أجل حمايتهم.

مواجهة المحاكمة

ويواجه أربعة من بين 23 طفلاً في ملاجئ باماكو تهماً بتهديد أمن الدولة والتمرد والانتماء لعصابة اجرامية والتآمر ضد الدولة. وقد تم توجيه الاتهامات لهم بعض القبض عليهم في ميادين المعارك في شمال مالي ثم تم احتجازهم بعدها بوقت وجيز وجرى ترحيلهم إلى ملاجئ.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال تراوري أنه قد تم إخضاع الأطفال الأربعة لعملية المحاكمة نتيجة لغياب المعرفة في البلاد بصفة عامة بحقوق الأطفال المتورطين في النزاع. "فبسبب العثور عليهم في ميدان المعركة وبحوزتهم أسلحة فقد اعتبرهم القضاة مجرمين في الحال. وبدلاً من معاملتهم كضحايا تم اعتبارهم مجرمين". 


 أحد التحديات هي أن المجتمعات والأسر ككل تحتاج إلى المساعدة. فلا يمكنك فقط أن تعيد طفل ومعه حزمة من الدعم. فيجب أن تفكر أيضاً في الاحتياجات الموجودة في المجتمعات من حيث المدارس والمياه والصرف الصحي وصحة الأم. فالأمر لا يتعلق فقط بإعادة طفل إلى القرية

وتحاول إدارة رعاية الطفولة التي يرأسها تراوري أن تسقط القضايا ضد هؤلاء الأطفال.

وقالت دوفكا من منظمة هيومان رايتس ووتش أن السلطات المالية وجماعات الإغاثة الدولية قد فشلت في التصرف في الوقت المناسب من أجل توثيق تجنيد الأطفال من قبل الجماعات المسلحة أو إعداد تدابير لإطلاق سراحهم من صفوف المتمردين.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قالت دوفكا: "عندما اشتدت حدة القتال في يناير لم يتم تطبيق البروتوكول الذي يحكم عملية تسريح الجنود ولم يتم إقامة مراكز الاستقبال للأطفال الجنود أو توعية القادة الماليين أو قادة الجيوش الأخرى المنخرطة في القتال".

وأضافت دوفكا قائلة: "نتيجة لذلك عندما تم القبض على الأطفال من قبل القوات المسلحة لم تكن لديهم الدراية بكيفية التصرف معهم. وبالتالي تمت معاملتهم كراشدين وقد واجه بعضهم سوء المعاملة أثناء اعتقالهم".

مصير مجهول

ومازال من غير المعروف مكان الأطفال الذين لم يتم نقلهم إلى مراكز الرعاية في باماكو. ويعتقد أن البعض منهم قد فروا مع عائلاتهم أو التحقوا مرة أخرى بعائلاتهم بعد طرد الإسلاميين من المدن الشمالية الرئيسية في تمبكتو وغاو وكيدال.

وقد قتل الأطفال الآخرون عندما تم استهداف الإسلاميين بالقصف. ويعتقد أيضاً أن بعض الذين تم تجنيدهم من الدول المجاورة قد عادوا إلى بلادهم، طبقاً لما ذكرته منظمة هيومان رايتس ووتش.

وقالت كريستينا تورسين أخصائية حماية الأطفال في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في مالي أن "الحقيقة هي أن الكثير من المعلومات لا تزال غير متوفرة"، مضيفة أنه "مازلنا نكتشف الكثير بشأن سياق الأحداث هنا. فمن حسن الحظ أن الأطفال الثلاثة والعشرين الموجودين لدينا الآن لم يقضوا الكثير من الوقت مع الجماعات المسلحة. ونحن نأمل أن تكون إعادة دمجهم أسهل". وقد أوضحت أن اليونيسف تقوم بإنشاء برامج خاصة بالأطفال الضعفاء بما في ذلك الأطفال الذين كانوا مرتبطين بالجماعات المسلحة بالإضافة إلى ذويهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم.

لم شمل الأسرة

وتأمل السلطات الحكومية واليونيسف وجماعات الإغاثة الأخرى أن يتم في نهاية المطاف جمع شمل الأطفال بأسرهم. ولكن استمرار انعدام الأمن في بعض المناطق في شمال مالي وعمليات النزوح التي سببها النزاع تشكل عقبات تعترض سبيل لم شمل الأسر. وهناك أيضاً هجمات وأعمال عنف اندلعت مؤخراً في المدن الثلاثة الرئيسية في شمال مالي.

وقال سيكو ديارا، مسؤول حماية الأطفال في اليونيسف، أنه "في كيدال على سبيل المثال ما تزال هناك جيوب ينعدم فيها الأمن ومن الصعب حتى على عمال الإغاثة الإنسانية الوصول إلى تلك الأماكن بسهولة". وأضاف أن "هناك أيضاً مشكلة تعقب الأسرة. فمع عمليات النزوح لم تكن بعض الأسر حتى موجودة في مالي. ولذلك يتوجب علينا معرفة أماكنهم".

وقد أوضح خبراء حماية الأطفال أنهم يعملون على ايجاد سبل لتقديم مساعدة أكبر للمجتمعات عندما يتم في نهاية المطاف جمع شمل الأطفال بأسرهم، مشيرين إلى أن المساعدة الفردية للأطفال ستكون إجراء قصير الأمد وستبدو وكأنها تمييز تجاه الأطفال والأسر الأخرى في منطقة معينة.

وقالت تورسين من اليونيسف أن "أحد التحديات هي أن المجتمعات والأسر ككل تحتاج إلى المساعدة. فلا يمكنك فقط أن تعيد طفل ومعه حزمة من الدعم. فيجب أن تفكر أيضاً في الاحتياجات الموجودة في المجتمعات من حيث المدارس والمياه والصرف الصحي وصحة الأم. فالأمر لا يتعلق فقط بإعادة طفل إلى القرية".

وتواجه مالي التي تعد واحدة من أفقر الدول الأفريقية سلسلة من المهام الشاقة من بينها إعادة الاستقرار وانعاش الاقتصاد وتحسين الإدارة والحكم ومواجهة الفساد وتعزيز المصالحة الوطنية.

وقالت دوفكا من منظمة هيومان رايتس ووتش أن "البلاد كلها تواجه تحديات انمائية. فالمؤشرات الإنمائية لمعدل الوفيات النفاسية والأمية ومعدل وفيات الأطفال كلها مؤشرات مثيرة للقلق. وهناك أولوية مطلقة لمالي وشركائها الدوليين بأن يتم مواجهة التحديات التي تؤثر على الأطفال أيضاً بشكل غير متناسب".

ob/rz-hka/dvh