سكان غزة يشكون من تضييق مصر الخناق عليهم

لم يتوقف تأثير انتقال السلطة في مصر خلال الأشهر القليلة الماضية عند إغلاق الحدود في وجه الأشخاص الذين يريدون العبور إلى البلاد من قطاع غزة فحسب، بل امتد أيضاً ليشمل انخفاضاً حاداً في نقل البضائع الأساسية، فضلاً عن تقييد حقوق الصيد، مما أدى إلى زيادة عزلة سكان الأرض الفلسطينية المحتلة.

ويقول الجيش المصري أنه دمر أكثر من 440 نفقاً بين مصر وقطاع غزة منذ أن بدأ عملياته في شبه جزيرة سيناء التي تقع في شرقي البلاد في أواخر شهر يونيو الماضي - أي ما بين 80 و90 بالمائة من الأنفاق التي تم الكشف عنها - وأن العملية لا تزال مستمرة.

وبحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لا يزيد عدد الأنفاق التي لا تزال تعمل الآن عن 10 فقط، بعد أن كان عددها لا يقل عن 300 نفق قبل بدء الحملة العسكرية.

وفي هذا السياق، قال جلال، وهو عامل أنفاق في الخامسة والعشرين من عمره، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنهم يخنقوننا، حتى لو كانوا يدَعون عكس ذلك. هذا الوضع لا يترك لنا أي خيار سوى أن ندرس تطوير المزيد من السبل لاستمرار عمل الأنفاق حتى يتم فتح معبر تجاري مستدام فوق سطح الأرض."

وتجدر الإشارة إلى أن الأنفاق تشكل الطرق الرئيسية لدخول وخروج البضائع التجارية من وإلى قطاع غزة، والطريق الوحيد لدخول القطاع أو الخروج منه الذي لا يمر عبر إسرائيل، التي تفرض قيوداً شديدة على المعابر الحدودية. وقد شملت المبادئ المتفق عليها لإدارة معبر رفح، والتي وقعتها السلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل في عام 2005، خططاً لممارسة التجارة بشكل رسمي، ولكن تم تجميد الصفقة عندما تولت حماس السلطة في غزة في عام 2006.

ويزعم بعض المسؤولين ووسائل الإعلام في مصر أن الأنفاق تستخدم لتهريب الأسلحة والمخدرات وحتى المتشددين إلى سيناء، لكن حكومة حماس نفت تلك المزاعم.

ويشكو جلال وزملاؤه من عدم حصولهم على رواتبهم منذ شهرين تقريباً، رغم أنه يننتظر ولادة إبنه الأول، ويقول: "أريد أن يعيش إبني في عالم أفضل، بدون قيود أو حدود مثل تلك التي نعاني منها الآن."

القيود الساحلية

ويبدو الوضع مشابهاً على الساحل. إذ تفرض البحرية الاسرائيلية قيوداً على صيادي غزة لمنعهم من تخطي مسافة ستة أميال بحرية من الشاطئ، مما يحد بشدة من قدرتهم على الصيد. وكانت مصر تسمح بدخول الصيادين إلى مياهها الإقليمية، ولكن في الأسابيع القليلة الماضية، تم القبض على الصيادين الفلسطينيين وإصابتهم العديد منهم بجروح من قبل البحرية المصرية، وإتلاف مراكب الصيد الخاصة بهم.

ومن جانبه، قال نزار عياش، رئيس جمعية الصيادين الفلسطينيين، أن "هذه ليست الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأشقاء"، ودعا مصر إلى وقف الحملة.

وكانت السلطات المصرية قد ألقت القبض على خمسة صيادين فلسطينيين في 30 أغسطس الماضي ووجهت إليهم تهمة اختراق المياه الدولية المصرية، وحكمت عليهم بالسجن لمدة عام واحد ودفع غرامة قدرها 60 دولاراً لكل منهم.

وقال محمود، وهو صياد من غزة في الثلاثين من عمره: "كنا نصل إلى شواطئ العريش [إحدى المدن الرئيسية في سيناء] وكان حرس الحدود يراقبوننا ونحن ندخل ونخرج ويسمحون لنا بالذهاب إلى هناك دون أن يقولوا شيئاً، ولكن كل شيء تغير الآن."

وبعد حادثة الاعتقال، تم توجيه تحذير إلى الصيادين في قطاع غزة بالابتعاد عن الحدود، ولكن بعد ثلاثة أيام فقط، أصيب اثنان بجروح عندما أطلقت البحرية المصرية النار على قاربيهما في مياه غزة الإقليمية هذه المرة، حسب عياش.

وأكد عبد الله النجار، البالغ من العمر 55 عاماً، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن ابنه إبراهيم أصيب بجروح خطيرة وتعرض قاربه للتلف بعد أن أطلق جنود مصريون النار عليه هو وصياد آخر بشكل مباشر. وقد خضع إبراهيم لجراحة في ذراعه.

كما تزعم جمعية الصيادين الفلسطينيين أن هجمات أخرى وقعت ضد بعض الصيادين خلال الأسبوعين الماضيين داخل مياه غزة الإقليمية.

الأنفاق شريان الحياة

حتى وقت قريب، كانت الأنفاق تستخدم لنقل نحو 50 بالمائة من احتياجات غزة من الأسماك [ فضلاً عن السماح للصيادين بالصيد في المياه المصرية]. على سبيل المثال، كان ما يقرب من 118 طناً من الأسماك يدخل إلى غزة عبر الأنفاق كل شهر حتى يوليو الماضي لتعويض نقص كميات الصيد، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وفي السياق نفسه، حذر عمال الإغاثة من أن الحملة الحالية على الأنفاق يمكن أن تؤثر على الأمن الغذائي في قطاع غزة. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أنه في حالة إغلاق الأنفاق بالكامل، ينبغي أن يكون على استعداد لتلبية احتياجات عدد إضافي من السكان يتراوح بين 50,000 و60,000 شخص.

وتوجد أوجه تشابه بين الوضع الحالي وما كان عليه الحال في أواخر عام 2009، عندما شيدت مصر جداراً على الحدود مع غزة. وقال خليل البالغ من العمر 40 عاماً والذي يمتلك أحد الأنفاق: "في نهاية المطاف، تغلبنا على ذلك الوضع، ولكن ما يحدث الآن أسوأ منه."

كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الإغلاق ساهم في خلق "نقص كبير في السلع، بما في ذلك الوقود الرخيص ومواد البناء."

ويشكو خليل من أن العمليات العسكرية المصرية أصابت عمله بالشلل. وبعد أن كان النفق يعمل 24 ساعة يومياً في السابق، أصبحت مناطق الأنفاق هادئة الآن.

وفي محاولة لتجنب وقوع أزمة إنسانية، وجهت السلطات التابعة لحماس في قطاع غزة نداءً إلى مصر والدول العربية الأخرى والمجتمع الدولي للمساعدة في إنشاء منطقة تجارية قانونية وإعادة فتح المعبر لأغراض تجارية.

وقد باتت الطفرة الأخيرة في قطاع البناء في غزة مهددة جراء إغلاق الأنفاق؛ حيث دخل أقل من 100 طن من مواد البناء إلى القطاع يومياً في الأسبوع الماضي، مقارنة بمعدل يومي بلغ أكثر من 7,500 طن في شهر يونيو الماضي، وفقاً للاحصاءات الصادرة عن الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، والتي استشهد بها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

كما أفاد البنك الدولي في الآونة الأخيرة أن تلك الإجراءات من المتوقع أن تتسبب في حدوث انخفاض كبير في أنشطة البناء في غزة خلال الأشهر المقبلة.

وأكد نبيل أبو معيلق، رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، أن حوالي 30,000 عامل في هذا القطاع أصبحوا الآن عاطلين عن العمل بسبب توقف استيراد مواد البناء من مصر وما نتج عن ذلك من زيادة في الأسعار.

وعلى الرغم من أن إسرائيل أعلنت الشهر الماضي أنها ستسمح بدخول 50 شاحنة محملة بمواد البناء المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة من خلال معبر كيريم شالوم، فقد أوضح نبيل أن هذه الكمية تمثل أقل من ربع احتياجات السوق.

الالتزامات الإنسانية

وفي بيان صدر مؤخراً، قالت جمعية مسلك، وهي منظمة غير حكومية ومركز دراسات قانونية يدعو إلى حرية التنقل، أن مصر ليست قوة محتلة في قطاع غزة، ولكن عليها التزامات إنسانية تجاه سكان القطاع.

وأكد البيان أن مصر "يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حق سكان قطاع غزة في حرية التنقل وتبذل قصارى جهدها للحفاظ على مسار سفر موثوق وكاف عبر أراضيها."

وأضاف أنه "في المقابل، ونظراً لسيطرة إسرائيل الكبيرة على قطاع غزة، يتوجب عليها، وفقاً لقوانين الاحتلال، تمكين سكان قطاع غزة من العيش حياة طبيعية، بما في ذلك إمكانية مغادرة غزة والعودة إليها."

ومن جهتها، حثت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية وعدد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية المجتمع الدولي على وضع حد للحصار المفروض على غزة. وقالت الشبكة في بيان أرسلت صورة منه إلى شبكة الأنباء الإنسانية أن إسرائيل، بوصفها سلطة الاحتلال، هي المسؤولة عن التدهور المستمر في الاقتصاد وجودة الحياة في قطاع غزة بسبب القيود المشددة التي تفرضها."

كما وجهت الشبكة نداءً إلى السلطات المصرية لتسهيل سفر المقيمين في القطاع من وإلى غزة، وأخذ الوضع الإنساني في غزة بعين الاعتبار.

ad/jj/rz-ais/amz