من قال أن الرجال الحقيقيين لا يبكون؟

حذر خبراء شاركوا في ندوة عقدت مؤخرا حول الرجال والأولاد من أن العديد من مسلمات الذكورة الخاطئة، مثل الجزم بأن الرجال لا يبكون أو بأن المجازفة عنوان الرجولة أو بأن الرجل القوي لا يطلب المساعدة، أو بأن الرجال أقوياء بالفطرة أو بأن الفحولة تقتضي تعدد الشركاء الجنسيين، تساهم في انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في جميع أنحاء العالم.

حيث أفاد بورمينا ماين، مساعد المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، خلال الندوة العالمية الأولى الخاصة بإشراك الرجال والفتيان في تحقيق المساواة بين الجنسين التي عقدت مؤخرا في ريو دي جانيرو بالبرازيل، أن "هذه المسلمات الخاطئة، بالإضافة إلى عوامل أخرى، تؤثر سلبا على فرص الحصول على الرعاية الصحية وعلى الحياة الجنسية للشخص وتمكنه من الاستفادة من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وتزيد من إمكانية تعرضه للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية".

كما أشار ماين، نقلا عن دراسات مختلفة، إلى أن السلوك المحفوف بالمخاطر مقبول جدا بين الرجال، بل أنهم يتنافسون في تشجيعه بينهم، كما أن معظمهم يشعر بالقلق حيال موضوع فحولته أكثر مما يقلق بخصوص سلامته وصحته.

وقد أظهرت الدراسات أن المعلومات الصحية لدى الرجال تقل بكثير عما هي عليه بين النساء كما أن غالبية الرجال ينظرون إلى موضوع الصحة الإنجابية على أنه موضوع نسائي محض. فالنساء غالبا ما يتحدثن عن الحمل وتنظيم الأسرة وسرطان الثدي وانقطاع الطمث، ولكن ليس عن المتعة الجنسية، في حين تركز محادثات الرجال على موضوع الأداء الجنسي وأوجه الخلل فيه وأعداد الحيوانات المنوية دون أن تتطرق لوسائل منع الحمل وما يصاحبها.

وعندما يترافق هذا الشح في المعلومات مع التركيز على فكرة الرجولة والفحولة بشكل يجعل من محاولات الحصول على المساعدة دليلا على الضعف تصبح صحة الرجل في خطر كبير. فمن المعروف في حالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أن الرجال غالبا ما يقصرون في اللجوء إلى المشورة والاختبار الطوعي مقارنة بالنساء، كما أنهم يميلون لتأخير البدء بالعلاج بالعقاقير المضادة للفيروسات القهقرية على خلاف النساء.

ويعلق ماين على ذلك بقوله: "إن التأخر في التشخيص والعلاج يعني استمرار العديد في ممارسة الجنس غير المحمي أو الآمن مما يزيد من احتمالات الخطر بتكرر الإصابات لديهم وتسببهم في تمرير العدوى لشركائهم عن غير علم أو قصد".

كما تؤثر هذه المسلمات النمطية سلبا على صحة المرأة وسلامتها. حيث يتذكر دوميساني ريبومبو، مستشار تقني بالمنظمة الدولية للصحة الإنجابية في جنوب افريقيا، إنجندر هيلث EngenderHealth، أحد مرضاه الذي أتى إليه طالبا المشورة بعد تشخيص إصابته بالمرض. ويحكي قصته قائلا: "سألته عن خطوته القادمة وطلبت منه إحضار زوجته للمشاركة في حلقات مجموعة الدعم. ولكنه أجابني بأنه لا ينوي مكاشفة زوجته بوضعه كما أنه لا يعتزم استخدام الواقي الذكري، لأنه رجل وسيتمكن من إيجاد طريقة للتعامل مع الوضع". وعلق ريبومبو على الموضوع بقوله أن مفهوم الرجولة المفعمة بالقوة التي لا تقهر يعتبر واحدا من أهم عوامل الخطر المؤدية للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

مفهوم انتقائي

من جهتها، أفادت غراسا سامبو ، المديرة التنفيذية لمنظمة فوروم مولر Fórum Mulher غير الحكومية المعنية بتعزيز حقوق المرأة، أن فكرة اتخاذ الرجل لشركاء جنسيين متعددين تساهم في زيادة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في موزمبيق بنسبة 16 بالمائة ، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم.

وجاء في قول سامبو أن "الكثير من الرجال يتخذون شركاء جنسيين متعددين لاعتقادهم أن ذلك متوقع منهم...كما أن مفهوم الذكورة مُشبَّع بالكثير من التقاليد والمعتقدات الثقافية التي تسوق لفكرة الرجل الفحل المتعدد العلاقات".

وأشارت إلى أنه بالرغم من أن المعلومات حول الإيدز ومخاطر تعدد الشركاء الجنسيين متوفرة بشكل كبير إلا أن الرجال يفضلون تجاهلها إذا ما أحسوا أنها تنص على ضرورة تغيير سلوكياتهم. وعلقت على ذلك بقولها: "نحن بحاجة لرجال يفكرون بطريقة مختلفة ويستطيعون فرض تغيير في سلوكيات [مجتمعاتهم]... فالعديد منهم يقوم بتغيير سلوكه ويتصرف بوعي أكبر على الصعيد الخاص، ولكنه يجد صعوبة في تبني هذا التغيير على الصعيد العام وإظهاره للملأ، لأنه يخضع لضغط كبير من أقرانه ويخشى أن يؤدي سلوكه الجديد إلى تعرضه لاستهزائهم وسخريتهم".

واختتم ماين من صندوق الأمم المتحدة للسكان بقوله : "نحن في حاجة إلى إعادة تحديد معنى الرجولة، وفيروس نقص المناعة البشرية يقدم لنا فرصة جيدة لإعادة تقييم تحجر المفاهيم والعادات السائدة في هذا المجال".