الصراع في شمال اليمن يهدد الانتقال السياسي

يحذر عمال الإغاثة والمحللون من أن الاشتباكات المتقطعة في شمال اليمن منذ ما لا يقل عن سبعة أشهر لا تزال تعرقل إيصال المعونة وتزيد المخاوف من أن الصراع هنا قد يؤدي إلى فشل عملية الانتقال السياسي في البلاد.

وتندلع هذه الاشتباكات المتقطعة بين رجال القبائل الذين ينتمي معظمهم إلى الحوثيين من الطائفة الزيدية الشيعية والسلفيين السنة ورجال قبائل حاشد.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال فرناندو كارفاخال، وهو متخصص في شؤون اليمن في جامعة إكستر: لقد قلب هذا الصراع موزاين القوى في شمال اليمن، مما قد يشكل تحديات جديدة للرئيس هادي أثناء المفاوضات التي يجريها لتنفيذ نتائج مؤتمر الحوار الوطني".

وتجدر الإشارة إلى أن محافظة صعدة التي تقع في شمال اليمن شهدت ستة حروب منذ عام 2004 بين المعارضين الحوثيين وجيش الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وقد انتهى الصراع بوقف إطلاق النار في فبراير 2010، لكن هذا الاتفاق فشل في وقف المناوشات المحلية.

وقد اندلعت أعمال العنف الأخيرة في محافظة عمران، التي تقع بين محافظة صعدة الشمالية والعاصمة اليمنية صنعاء، التي تبعد حوالي 150 كيلومتراً إلى الجنوب. وقد اندلع القتال في أواخر شهر يناير الماضي (وخرق وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه في وقت سابق من هذا الشهر) عندما حاصر الحوثيون معاقل حاشد في الأجزاء الشمالية والوسطى والجنوبية من عمران.

نزح منصور العمراني، التاجر الذي ينتمي إلى قبيلة حاشد في مديرية العشة في شمال محافظة عمران، مرتين في الأشهر الستة الماضية نتيجة لما يصفه بأنه "الأجندة الحوثية للاستيلاء المناطق التي تخضع لسيطرة قبيلة حاشد في الشمال، وانتزاع السيطرة على صنعاء من [الرئيس] هادي واستعادة الإمامة [الزيدية]،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وبعد أن شاهد الميليشيات الحوثية تحاصر قريته في أغسطس الماضي، ثم بعد خمسة أشهر تهاجم مديرية الحوث المجاورة، حيث كان يلتمس ملاذاً أمناً مع بعض أقاربه، حذر العمراني من أن الحوثيين سيواصلون توسيع قاعدة قوتهم فيما وراء صعدة.

وأكد قائلاً: "لا تتمتع الحكومة بسلطة هنا، ولا يوجد سبب يدفع الحوثيون للتوقف بعد أن قطعوا هذا الشوط الطويل". وأضاف أنهم "دخلوا حرباً مع حاشد الآن". وقد أنهى اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة حكومية القتال في محافظة عمران في 4 فبراير الماضي.

ويُعتقد أن هناك ما بين 60,000 و70,000 نازح داخلياً في محافظة عمران، من بينهم أكثر من 40,000 شخص نزحوا قبل عام 2011، ينتشرون في جميع أنحاء المحافظة، والعديد منهم بعيدون عن متناول موظفي المساعدات الإنسانية ولا تصل إليهم إمدادات الإغاثة المخزنة في مدينة عمران. ولكن الطبيعة المتغيرة لهذا الصراع وحالة النزوح المرتبطة به تعوق التحقق من هذه الأرقام.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت ماري كلير فغالي، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن: "حتى الآن، ليس لدينا تقييم خاص بنا لعدد الأشخاص المتضررين من القتال [في عمران]، لأننا لم نتمكن من الوصول إلى السكان... بسبب التهديدات الأمنية التي تلقاها [مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عمران] في تلك المنطقة منذ منتصف ديسمبر".

وأضافت فغالي أن "أحد أهم المخاطر التي نواجهها [في اليمن] هي احتجاز زملائنا واستخدامهم كورقة للمساومة، أو عندما يتم احتجاز موظفينا - اليمنيين أو المغتربين - على سبيل المثال، من قبل أشخاص يريدون أن يستمع الناس إلى قضاياهم، كما حدث ثلاث مرات على الأقل في عام 2013".

تحديات الوصول

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال طبيب يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود (MSF) بالقرب من الحدود الغربية لمحافظة صعدة مع محافظة حجة أنه وأكثر من 20 من زملائه كانوا على وشك الإصابة بقذيفة مدفع أُطلقت من الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون في أوائل شهر يناير الماضي، بينما كانوا يقودون سيارتهم بالقرب من بلدة المزرق في مديرية حرض.

وأضاف الطبيب أنه يرحب بوقف إطلاق النار الموقع في 7 يناير من قبل قادة الحوثيين والسلفيين في حرض. ولكنه قال أن الهدنة في سياق الصراع المحتدم الذي امتد الآن ليشمل 4 محافظات حول صعدة (هي حجة وعمران والجوف وصنعاء) ليست ذي أهمية تذكر. وتستضيف هذه المحافظات الخمس أكثر من 95 بالمائة من السكان النازحين البالغ عددهم نحو 307,000 شخص.

ويرى الطبيب أن "اتفاق حرض ينبغي تكراره في كل الصراعات العديدة المنتشرة في شمال البلاد من أجل تمهيد الطريق لتحقيق تعاف جوهري. وحتى لو صمد وقف إطلاق النار، فإن المنظمات غير الحكومية لا تزال تحتاج إلى عدة شهور لإعادة تشغيل العمليات بسبب التأخر المؤسسي".

حتى لو صمد وقف إطلاق النار، فإن المنظمات غير الحكومية لا تزال تحتاج إلى عدة أشهر لإعادة تشغيل العمليات بسبب التأخر المؤسسي


ومن الجدير بالذكر أن النازحين داخلياً والمجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية يعانون من المعارك التي اندلعت في الأونة الأخيرة بعدة طرق. فمنذ شهر نوفمبر الماضي، قطع أنصار الجماعات السلفية الطريق الرئيسي الذي يربط بين حرض ومدينة صعدة، التي تعتبر مركزاً للعمليات الإنسانية في محافظة عمران، وبالتالي منعوا الوصول إلى مناطق القتال حول بلدتي دماج وكتاف في محافظة صعدة. بالإضافة إلى ذلك، عرقلوا وصول شحنات الغذاء والوقود والدواء إلى صعدة، وأعاق هذا الحصار إيصال المساعدات إلى حوالي 14,500 نازح داخلياً يعيشون في مخيمات رسمية في المزرق.

وفي السياق نفسه، أدى نقص المواد الغذائية إلى ارتفاع أسعارها، وأثر تناقص إمدادات الوقود على توافر المياه لأن معظم المجتمعات تعتمد على المضخات التي تعمل بالوقود لاستخراج مياه الآبار.

ويعتقد علي القدمي، المزارع المحلي الذي يعيش بالقرب من المزرق، أن المواجهة بين الحوثيين والسلفيين أوصلت العمل اليومي الذي تقوم به عائلته إلى طريق مسدود. فعندما سعى السلفيون إلى السيطرة على سلسلة جبال تمتد إلى واد خصيب بالقرب من تلك المنطقة، لم تتمكن النساء من جمع الحطب على سفح الجبل. كما مُنعن من أخذ الماشية إلى نقاط تجمع المياه والمراعي الممتدة بطول الوادي.

ويوجد في حرض حوالي 80,000 نازح، يقيم معظمهم مع المجتمعات المضيفة، وتتفاقم المشاكل جراء التدفق الشهري لنحو 40,000 عامل يمني غير شرعي من المملكة العربية السعودية. كما أن الحصار الذي طال أمده لشريان الإمداد الرئيسي في حرض جعل من الصعب على نحو 20 منظمة إنسانية تعمل هنا تقديم الدعم الأساسي للأسر المستضعفة في المنطقة.

دماج

وقد تركز الصراع الذي أشعل فتيل القتال في حرض وعمران ومناطق أخرى في شمال اليمن، في مدرسة دينية سلفية تسمى دار الحديث، في دماج.

وتم منع بعض عمال الإغاثة، الذين تتوفر لديهم مخزونات من مواد المعونة المخزنة مسبقاً في مدينة صعدة، على بعد ثماني كيلومترات فقط من دماج، مراراً من الوصول إلى المنطقة، وفقاً لأحدث نشرة إنسانية أصدرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقال علي البخيتي، ممثل جماعة أنصار الله، وهي الذراع السياسي للحوثي، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يسيطر الحوثيون على الطرق المؤدية إلى المستشفيات القريبة في مدينة صعدة"، وهم على استعداد لإحضار السلفيين المصابين إلى تلك المرافق الطبية. "ولكن السلفيين لا يثقون في الحوثيين بما يكفي لنقلهم إلى هناك. وكانوا يخشون من أن يضعهم الحوثيون في سيارة ويعذبونهم بدلاً من ذلك،" كما أشار.

من جانبها، أوضحت فغالي أن الفرق الطبية الدولية التابعة للصليب الأحمر حصلت على إذن بإجراء 6 بعثات إنقاذ سريعة للوصول إلى الجرحى، وأنها "كانت المنظمة الإنسانية الوحيدة التي فعلت ذلك أثناء الاشتباكات المحتدمة".

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن جمال بنعمر، الذي ساعد في التوسط لوقف إطلاق النار في دماج في شهر نوفمبر الماضي (واحد من 12 اتفاقاً انهار منذ أغسطس)، أنه أكد على الأطراف المتصارعة في مناسبات عديدة أن مجلس الأمن كان قد دعا كل الأطراف إلى "عدم السعي لتحقيق أهدافها من خلال الوسائل العنيفة وعدم اللجوء إلى العنف كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية".

cc/jj/cb-ais/dvh
"