مخاوف بشأن مستقبل التمويل في أفغانستان

يواجه برنامج الأغذية العالمي عجزاً يصل إلى 40 مليون دولار لعملياته الخاصة بأفغانستان، وذلك في ظل قلق المنظمات الإنسانية من أن يؤدي انسحاب القوات الأجنبية إلى تقليص ميزانيات العمل الإنساني في البلاد.

وتجدر الإشارة إلى أن برنامج الأغذية العالمي قد قلص بالفعل حجم حزم المساعدات الغذائية لمئات الآلاف من السكان. وقال المدير القطري للبرنامج أنه من دون توفر المزيد من الدعم للبرنامج، فإنه سيضطر إلى اللجوء إلى تدابير قاسية"، قد تشمل وقف المساعدات بالكامل عن بعض المجموعات.

ومن المقرر أن تتوقف القوات الأجنبية التي تقودها الولايات المتحدة عن المشاركة في عمليات قتالية وذلك في إطار خطة الانسحاب التدريجي بنهاية عام 2014، على الرغم من أن آلاف الجنود سيظلون في البلاد للقيام بمهام أخرى في الدولة.

مع ذلك، لا تزال الاحتياجات الإنسانية ملحة، فقد خلّف الصراع الطويل أزمة أمنية متواصلة تسببت في تأخير انتخاب رئيس جديد للبلاد، في الوقت الذي لا يوجد فيه أمل كبير في حلها على المدى القصير. كما قتل قرابة 5,000 مدني خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أنه قد يكون "العام الأكثر دموية في أفغانستان".

ويبلغ إجمالي عدد النازحين داخلياً المسجلين لدى الأمم المتحدة في أفغانستان حتى الآن أكثر من 700,000 شخص بينما يقوم الآلاف بتسجيل أنفسهم كل شهر، لاسيما في إقليم هيلمند الجنوبي حيث تتصاعد أعمال العنف.

ولا تزال الظروف الصحية حرجة، في ظل معاناة نصف الأطفال الأفغان من سوء التغذية. ومع اقتراب فصل الشتاء، ستواجه نحو 2,500 أسرة أشهراً من البرد القارس مع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، وعدم توفر مأوى ملائم، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

احتياجات متنامية

وقد تفاقمت هذه الاحتياجات نتيجة لعبور قرابة 200,000 شخص  من باكستان المجاورة إلى أقاليم خوست وباكيتا وكابول في أفغانستان منذ شهر يونيو الذي تزامن مع إطلاق الجيش الباكستاني لحملته الهجومية ضد حركة طالبان.

بيد أن هذه الاحتياجات المتزايدة لم يقابلها زيادة متكافئة في الدعم، في ظل وجود عجز في تمويل الميزانية المخصصة للغذاء. وحتى الآن، لم يتم التعهد سوى بنحو 34.7 بالمائة فقط من مبلغ الـ 148 مليون دولار الذي طلبته الأمم المتحدة للأمن الغذائي والزراعة في عام 2014، وهي أدنى نسبة من أي قطاع، وذلك بحسب خدمة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة.

ويضع هذا الوضع برنامج الأغذية العالمي، الذي يقدم المعونة الطارئة للأسر النازحة التي فرت من باكستان، فضلاً عن تقديم الدعم لأكثر من مليون أفغاني، أمام اختيارات صعبة على نحو متزايد. وفي هذا الصدد، قال كلود جيبيدار، المدير القطري للبرنامج في أفغانستان، أن اللاجئين والنازحين داخلياً يحصلون الآن على سلعة واحدة فقط وهي القمح بدلاً من حزم أكثر شمولاً تضم البقول والزيت والملح.

عام 2015 هو عام الصدق والحسم للدول التي تنسحب عسكرياً من أفغانستان-ويتعين على هؤلاء الذين يغادرونها زيادة مساعدتهم الإنسانية

كما خفض برنامج الأغذية العالمي أيضاً من كمية السعرات الحرارية التي يقدمها للشخص من 2,100 سعر حراري إلى 1,500 لليوم الواحد. وقد تم تقليص الحصص الغذائية لأكثر من مليون شخص ابتداء من شهر أكتوبر. وتعليقاً على هذا، قال جيبيدار: "لقد اضطررنا إلى خفض الحصص الغذائية التي نقدمها لهم".

وأضاف أن جزءاً من المشكلة يكمن في أن التكاليف لا تزال مرتفعة، في ظل استيراد أفغانستان للكثير من المواد الغذائية، حيث يتم استيراد ما بين 500,000 إلى 700,000 طن من دقيق القمح من البلدان المجاورة مثل باكستان وكازاخستان وأوزبكستان في السنة.

وحتى الآن يمثل التمويل المشكلة الجذرية، حيث يسعى البرنامج إلى جمع 40 مليون دولار لإطعام الناس خلال هذا الشتاء.

ويخشى جيبيدار أن يضطر البرنامج إلى مزيد من عمليات تقليص المساعدات المقدمة في الأشهر والسنوات القادمة في ظل الاحتياجات الملحة والتمويل المحدود. وقال أنه في حالة عدم وجود المزيد من التمويل فقد يضطرون لإلغاء المساعدات الغذائية تماماً لبعض المجموعات مثل اللاجئين الباكستانيين: "هذا هو الأمر المأساوي [في الموضوع] ... أن السكان سوف يستيقظون في يوم ما ولن نكون قادرين على مساعدتهم".

مخاوف بشأن المستقبل

وتعتبر مشاكل التمويل التي يواجهها برنامج الأغذية العالمي جزءاً من اتجاه أوسع نطاقاً من تناقص الدعم في أفغانستان. وقالت أشلي جاكسون، الباحثة المستقلة والزميل السابق في معهد التنمية الخارجية، أن الميزانيات الإنسانية في أفغانستان كانت مشروطة بأهداف عسكرية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2001. وأضافت أنه مع استعداد القوات الأجنبية للانسحاب، تتزايد المخاوف من خفض الميزانيات.

وفي عام 2010، دفعت الولايات المتحدة بآلاف من القوات الإضافية للحرب فيما كان يعرف باسم "استراتيجية زيادة القوات". وقد تزامن هذا مع زيادة هائلة في الميزانيات الإنسانية.

وأضافت قائلة: "لقد حصلنا على هذه الزيادة الهائلة في التمويل في عام 2010، مع زيادة عدد القوات آنذاك... أعتقد أن ما نشهده على مدار العامين الماضيين هو أن العديد من المانحين- بما في ذلك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من بين آخرين- يقلصون تمويلهم لأفغانستان". وأوضحت أنه مع تفاقم الأزمات الإنسانية في سوريا والعراق وأماكن أخرى، فقد تراجع الاهتمام بأفغانستان في سلم الأولويات العالمية.

في هذه الأثناء، تناشد المنظمات الإنسانية تقديم الدعم لأفغانستان على الرغم من الأزمات المستمرة.

وفي سياق متصل، قالت دانييل مويلان مدير برنامج الحماية والمناصرة في المجلس النرويجي للاجئين، أحد أكبر المنظمات الإنسانية العاملة في أفغانستان: "تقديراً من الأمم المتحدة لاحتمالية عدم قيام الجهات المانحة بتقديم تمويل كاف لنداء أكبر، فقد خفضت نداءها الإنساني بنسبة 14 بالمائة...كما خفضت الولايات المتحدة مساعدتها الإجمالية [بما في ذلك التمويل للجوانب غير الإنسانية] من 4 مليارات دولار في عام 2010 إلى ملياري دولار في عام 2014، حيث يخصص معظم التمويل إلى مشاريع إنمائية واسعة النطاق".

من جهته، أعرب جيبيدار عن أمله في تنويع التمويل للنداء الإنساني الخاص بأفغانستان. ومع تنامى الدور الذي تلعبه دول الخليج في تقديم المساعدات في السنوات الأخيرة، قال جيبيدار أنه يأمل في أن تزيد تلك الدول دعمها لأفغانستان: "لدينا الكثير من الدعم من الدول الغربية... ولكننا نتطلع حقاً إلى دعم دول الخليج".

على الجانب الآخر، ترى مويلان أنه لا يزال من المحتمل أن يأتي الجزء الأكبر من التمويل من الغرب، "فعام 2015 هو عام الصدق والحسم للدول التي تنسحب عسكرياً من أفغانستان-ويتعين على هؤلاء الذين يغادرونها زيادة مساعدتهم الإنسانية،" على حد قولها.

da/jd/cb-kab/dvh

"