أفغانستان: معضلة الأغذية المدعمة بالمغذيات الدقيقة

 كيف يمكنك معالجة سوء التغذية المنتشر على نطاق واسع في بلد يعاني من الفقر والفساد ويشهد حالةً من الحرب؟ ارتفعت معدلات سوء التغذية في أفغانستان وتخطت الآن عتبات الطوارئ، على الرغم من إنفاق مليارات الدولارات التي تصلها في صورة مساعدات على مدى العقد الماضي. ووفقاً لدراسة استقصائية حديثة أجرتها منظمة الإحصاء المركزية الحكومية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أصبح 20 بالمائة من الأطفال يعانون من سوء التغذية بشكل عام، ويعاني ثلث الأطفال من سوء التغذية الحاد في بعض مناطق الصراع، كما أن 60 بالمائة من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من التقزم.

وخلال مقابلة أجريت معه مؤخراً، يقول منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أفغانستان، مايكل كيتنغ: "لديك معدلات سوء تغذية من بين أعلى المعدلات في آسيا وتعادل مثيلاتها التي تعتبر غير مقبولة على الإطلاق في أجزاء أخرى من العالم،" مضيفاً أن نتائج الدراسة كانت بمثابة "صدمة" بالنسبة له. ويعترف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن المنظمات الإنسانية عانت من "ثغرات كبيرة" في قدرتها على الاستجابة لأزمة التغذية، نظراً لفشل المحاولات السابقة لإنشاء "مجموعة عمل قطاعية" تابعة للأمم المتحدة تركز على قطاع التغذية بسبب انعدام الأمن.

لكن برنامج الأغذية العالمي والتحالف العالمي لتحسين التغذية (GAIN) يديران مشروعاً جديداً مدته أربع سنوات بقيمة 6.4 مليون دولار، يهدف إلى إيصال الأطعمة المدعمة بالمغذيات الدقيقة إلى ما يقرب من 15 مليون أفغاني يمثلون نصف سكان البلاد. وتتمثل الاستراتيجية في إضافة الفيتامينات والمعادن، مثل الحديد والزنك وحامض الفوليك وفيتامين B-12 وفيتامين (أ) إلى دقيق القمح والزيوت النباتية والسمن، بالإضافة إلى دعم الملح باليود. وقد نجح دعم الأغذية بالمغذيات الدقيقة على نطاق واسع في الحد من سوء التغذية في مناطق مثل جنوب إفريقيا ومصر، ولكن هل يمكن أن ينجح هذا في أفغانستان؟ (دعم الطعام بالمغذيات الدقيقة ليس جديداً في أفغانستان، ولكن تم تنفيذه من قبل على نطاق ضيق).

أفاد أحد المحللين الأفغان الذي طلب عدم الكشف عن هويته أنه "هناك مشاكل عديدة، إلى جانب الأمن الذي يعتبر مشكلة واضحة،" وتساءل: "هل المواطنون الأفغان على استعداد لتناول مثل هذا الطعام؟ كيف ستقنع الناس بأن شيئاً ما أضيف إلى غذائهم وأنه مفيد لهم؟ أفغانستان تعج بنظريات المؤامرة. ثم هناك الفساد، كيف يمكن تنفيذ هذا المشروع بحيث لا يقوم أولئك الذين يشترون دقيق القمح المدعم بالمغذيات الدقيقة بإفراغه من الأكياس وملئها بنوع آخر من الطحين؟ في مشروع كبير مثل هذا، يجب أن يكون الملالي [رجال الدين] وشيوخ القبائل الدعاة الرئيسيين، وإلا فإنه لن ينجح. أمّا جعل جيران أفغانستان يمتثلون ويعملون لما فيه خير أفغانستان، فهذه قصة أخرى". وفي الوقت الذي تتقلص فيه ميزانيات المعونة وتنسحب القوات الأجنبية من أفغانستان، يقول مراقبون أنه على المشروع أن يتبع خطوات رئيسية معينة لتجنب التحول إلى مثال آخر على إهدار أموال المساعدات.

خلق الطلب

عندما تم تقديم الخبز المدعم بالمغذيات الدقيقة في مصر، استهدف المشروع مخابز الدولة التي توفر الخبز المدعوم للفقراء. على عكس ذلك، فإن مشروع دعم الخبز بالمغذيات الدقيقة في أفغانستان سيكون قائماً على السوق، ولهذا السبب قال منظمو المشروع أن استراتيجية التسويق ستكون عنصراً أساسياً في نجاحه. وأشارت إميلي ليفيت روبرت، كبيرة مستشاري سياسات تغذية الأم والطفل في مركز خبرة التغذية بمنظمة الرؤية العالمية، إلى أن المرأة هي المسؤولة عن معظم مهام التغذية، ولكن الرجال يقومون بالتسوق في معظم الأحيان. وأضافت أن التعليم يعتبر قيمة اجتماعية قوية، مثل تنشئة أطفال أصحاء أذكياء، هذا وقد أصبحت كلمة "فيتامين" مفهومة بشكل عام. لذا تكمن إحدى الاستراتيجيات في إقناع الرجال بأن عليهم اعطاء أسرهم الدقيق المدعم بالمغذيات الدقيقة، التي سوف تساعد أيضاً على تفادي العيوب الخلقية، لكي يصبح أطفالهم أصحاء وأذكياء ورياضيين.

وساهم إبراهيم بارفانتا، وهو مستشار دولي في مجال التغذية، في إطلاق أول برنامج في البلاد لإضافة اليود إلى ملح الطعام في عام 2002، بعد سقوط نظام طالبان. وبناءً على تجربته، لم يكن إقناع المواطنين الأفغان صعباً. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أن إضافة اليود إلى الملح وما يسمى الرشات، وهو مسحوق من المغذيات الدقيقة التي تسمح للناس بدعم أطعمتهم في المنزل، كانا "مقبولين بشكل لا يصدق". وأضاف أن المفتاح كان مخاطبة قلوب الأفغان، وكذلك جيوبهم. كان يوجه إليهم السؤال التالي: "هل تريد أن ينجح أطفالك في المدرسة؟ إذن، هذا هو ما تحتاج إلى إضافته [إلى الغذاء]".

ووفقاً لبورنيما مينون، وهي باحثة في المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء (IFPRI) في نيودلهي، يمكن أن يكون دعم الغذاء بالمغذيات الدقيقة مستداماً، ولكن وجود الطلب على السلع الغذائية المدعمة بالمغذيات الدقيقة أمر ضروري. ونظراً للظروف الاقتصادية الحالية في أفغانستان، سيكون النجاح صعباً. "فإلى جانب المنتجات الأخرى المنافسة في السوق، يعتمد النجاح أيضاً على رأي الناس الذين يشترونه" وأي تغيير في مظهر أو طعم الطعام قد يثني المستهلكين عن تناوله.

وفي حين أن نسبة ضئيلة من الأفغان الذين يعيشون في المناطق الريفية لديهم أراضٍ يزرعون فيها القمح بأنفسهم، وبرنامج الأغذية العالمي يقوم بتوزيع المواد الغذائية في بعض المناطق، فإن المواد الغذائية وإمدادات الحبوب الرئيسية تأتي من خلال آليات السوق الحرة - أي أن معظمها واردات من البلدان المجاورة. وأفاد مارك فان أميرينغن، المدير التنفيذي للتحالف العالمي لتحسين التغذية، أن "الأفغان سيرون ملصقات تشير إلى أن المنتجات مدعمة بالمغذيات الدقيقة، وهذا من شأنه أن يساعد، ولكن كيفية بناء طلب فعال هي واحدة من التحديات التي نواجهها في جميع أنحاء العالم. وفي العديد من البلدان، يتم هذا عن طريق التنظيم الحكومي، المدرج في الخطة هنا أيضاً، ولكن المهم في أفغانستان، كما هو الحال في كثير من الأماكن الأخرى، هو: هل يمكن تطبيق ذلك؟"

التسويق

إذا وجد الطلب، كيف يمكنك تسويق المنتج الخاص بك؟ ففي حين أن ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، كما في بلدان أخرى، لا تزال مكبرات الصوت تستخدم لنشر الأخبار. ويملك حوالى 80 بالمائة من السكان هواتف نقالة، ويستخدم المعلنون بشكل متزايد الرسائل النصية القصيرة للوصول إلى الناس. كما انتشرت اللوحات الإعلانية الكبيرة خلال العقد الماضي. ومع ذلك، قال رفيق كاكار، الرئيس والمدير التنفيذي لمركز أبحاث الرأي في أفغانستان (ORCA) أن هذه الأنواع من التسويق ليست فعالة لأن معدل الأمية يبلغ 80 بالمائة. وأضاف أن الراديو هو الخيار الأفضل، محذراً على الرغم من ذلك من أن الأفغان قد يشكّكون في الإعلانات الإذاعية. "لقد وجدنا أن معظم الناس لديهم ثقة في زعماء القبائل أو الزعماء الدينيين ويصدقون كل ما يقوله هؤلاء الزعماء حتى لو كانت له علاقة بأمر لا يحبونه كثيراً".


ويقول برنامج الأغذية العالمي أنه لم يعتمد فقط على الراديو في الحملات التسويقية السابقة، ولكنه أيضاً أشرك الأطباء والعيادات واستخدم النشرات والملصقات والكتيبات، وحتى المتدليات. والمطلوب، وفقاً للمستشار بارفانتا، هو نظام تتبع - لتسويق المنتجات المدعمة بالمغذيات الدقيقة في الأماكن الصحيحة، ورصد الأماكن التي ستصل إليها بالضبط في نهاية المطاف لمعرفة تأثير هذه الأطعمة على السكان. وأضاف أنه يمكن لمستوردي دقيق القمح والمنتجين الوطنيين أن يقدموا المشورة في هذه العملية. وأكد أن المشروع من المرجح أن ينجح في المراكز الحضرية أكثر من المناطق الريفية، ولكن في ظل مشاركة 13 مصنعاً وطنياً في المشروع، "يمكنك أن تصل إلى ما بين 25 و35 بالمائة من السكان، وهو عدد كبير".

ويعترف عمال الإغاثة بأنه لا بدّ للوصول إلى المناطق النائية أو مناطق الصراع أن يكون محدوداً. ويقول أيدان أوليري، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أفغانستان: "يكمن التحدي في التأكد من استهداف المناطق التي هي في أمس الحاجة، وأكثر المناطق تضرراً هي دائماً المناطق التي تضررت من النزاع".

إقناع الحكومة بتولي المسؤولية

قال ممثلو برنامج الأغذية العالمي أن الهدف في نهاية المطاف هو أن تتولى الحكومة مسؤولية تنفيذ هذا المشروع. وقال دوردج فوفيتش، المسؤول في مبادرة الشراء من أجل التقدم التابعة لبرنامج الأغذية العالمي، والتي تشتري الطعام من المزارعين المحليين: "في الأساس، هذا المشروع له علاقة بنظام الإمداد في بلد ما برمته. وحيث أننا في بداية السلسلة، فإن النتيجة النهائية خارجة عن سيطرتنا". ونظراً لضعف الحكومة المركزية ومستويات الفساد العالية، غالباً ما تكون قدرة الحكومة على تنفيذ مثل هذه المشاريع محدودة للغاية، كما يقول المراقبون. وأشار بارفانتا إلى أنه لهذا السبب يتطلب المشروع وجود مواطنين أفغان مدربين تدريباً مناسباً، يمكنهم استيعاب وتنفيذ المشاريع ومن ثم متابعة إدارتها بشكل صحيح. ويفيد: "واحدة من أكبر المشاكل هي عدم وجود ما يكفي من الموارد لتدريب الأفغان على المهارات المناسبة [لتنفيذ المشاريع]."

ونشرت منظمتا إنقاذ الطفولة والرؤية العالمية مؤخراً بارومتر التغذية، الذي يقيس الاستجابات الوطنية لسوء التغذية، ووجدتا أن الالتزام السياسي بالتصدي لسوء التغذية يتزايد في أفغانستان من خلال سياسة واستراتيجية التغذية الوطنية العامة، وسياسة واستراتيجية إطعام الرضع والأطفال الصغار. ولكن الدراسة أشارت إلى أن هذا لم يترجم إلى نتائج لأنه " حتى الآن لم يتم تنفيذ أي من السياستين بفعالية."

وقال فان أميرينغن أن تطوير المعايير الوطنية وتشريعها ونشرها وتطبيقها تشكل المكونات الرئيسية لمشروع دعم الأطعمة بالمغذيات الدقيقة، وخصوصاً أن أفغانستان تستورد ما بين 60 و70 بالمائة من دقيق القمح و90 بالمائة من زيت الطعام المستهلك في البلاد. وأضاف أن المحادثات مع المستوردين من الدول المجاورة قد بدأت بالفعل. وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف النهائي لمشروع دعم الأطعمة بالمغذيات الدقيقة هو الاستدامة. فعلى سبيل المثال، لن تحقق المطاحن المشاركة في المشروع أرباحاً على الفور، كما تقول كاري موريسون، مديرة قسم الصحة والتغذية في برنامج الأغذية العالمي، ولكن احتمال كسب المال سوف يزيد عندما تقوم الحكومة بتوحيد معايير هذه العملية.

bm/ha/cb-ais/bb