خيبة أمل في تجارب لقاح السل

أثبت أول لقاح لمرض السل يتم اختبار فعاليته لدى الرضع منذ أكثر من 40 عاماً أنه غير فعال كجرعة منشطة، لكنه قد يكون حجر الأساس للمرحلة المقبلة في مجال البحوث لإيجاد لقاح لهذا المرض.

وقد اعتمد العالم على لقاح عصيات كالميت-غيران المضاد لمرض السل لأكثر من 90 عاماً، على الرغم من الخلاف الأخير حول فعاليته. وتراوحت تقديرات فعالية هذا اللقاح في التجارب السريرية من حماية بنسبة 80 بالمائة مقابل لا شيء على الإطلاق. وما زالت الأسباب وراء هذه الاختلافات غير مفهومة حتى الآن.

وكان باحثون من مبادرة لقاح السل في جنوب أفريقيا وجامعة أوكسفورد ومنظمة اراس Aeras، وهي منظمة غير هادفة للربح تعمل على اللقاحات المضادة للسل، يأملون أن تؤدي التجارب التي أجريت مؤخراً في مقاطعة كيب الغربية في جنوب أفريقيا إلى تغيير كل هذا الوضع. فقد قاموا باختبار لقاح جديد للسل، يعرف باسم MVA85Aعلى نحو 2,800 رضيع تتراوح أعمارهم بين أربعة وستة أشهر حصلوا على لقاح عصيات كالميت-غيران المضاد للسل.

ووفقاً للنتائج التي نشرت على الإنترنت في مجلة ذا لانسيت في 4 فبراير، أكدت التجارب التي دامت لمدة عامين أن استخدام اللقاح كان آمناً على الرضع، فيما تبين أن لقاح MVA85A غير فعال، وهذا يعني أن الأطفال الذين تلقوا هذا اللقاح لم يحصلوا على أي حماية إضافية.

استمرار الوعود

وقالت آن جينسبيرج، نائب رئيس الشؤون العلمية وكبيرة المسؤولين الطبيين بالإنابة في منظمة اراس أنه بينما ينتظر عشرات المرشحين الحصول على لقاح السل، يبقى لقاح MVA85A أكثرها خضوعاً للتجارب السريرية، بعد أن تم اختباره في وقت سابق على البالغين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اراس هي التي وفرت التمويل لهذه التجارب. أما فيما يتعلق بالتجارب التي أجريت على الكبار، فأظهر لقاح MVA85A نتائج إيجابية في حماية المشاركين من السل.

وبينما لم يكن اللقاح ناجحاً لدى الرضع الذين لا يحملون فيروس نقص المناعة البشرية، إلا أنه ما زال يحمل بعض الأمل لغيرهم من الأشخاص، وفقاً لهيلين ماكشين من جامعة أكسفورد، التي أضافت أن الباحثين لا زالوا غير متأكدين من سبب فشل هذه التجربة.

وما زال اختبار هذا اللقاح لدى البالغين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية مستمراً، ويمكن اختباره أيضاً كبديل ممكن للقاح عصيات كالميت-غيران لدى الأطفال الذين يحملون فيروس نقص المناعة البشرية. ولا يمكن إعطاء لقاح عصيات كالميت-غيران للأطفال المتعايشين مع فيروس نقص المناعة لأنه مصنوع من سلالة السل البقري، إذ يمكن لنظام المناعة الضعيف لدى الرضع أن يجعلهم عرضة لالتهابات في الدم بعد حصولهم على هذا اللقاح.

وقالت ماكشين التي كانت أول من طور هذا اللقاح: "عملت على فيروس السل لمدة 15 عاماً، ولن أتوقف الآن. فالحاجة إلى لقاح جديد للسل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ومن المهم أن نحافظ على الزخم ونستمر في المضي قدماً".

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يقتل السل 1.4 مليون شخص سنوياً على مستوى العالم.

الدراسة تبدد الأساطير وتغذي البحوث المستقبلية

وفي حين اعترفت ماكشين بأن نتائج تجارب لقاح MVA85A كانت مخيبة للآمال، أكدت كغيرها من المشاركين في التجارب أن هذه النتائج عملت على تبديد الأساطير حول بحوث اللقاحات وتوفير بيانات جديدة وتمهيد الطريق أمام الدراسات المستقبلية.

وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت ماكشين: "قبل عشر سنوات لم يكن واضحاً مدى إمكانية إجراء هذا النوع من الدراسات. تمثل هذه الدراسة خطوة كبيرة إلى الأمام ... من المهم أن نفهم أنه عن طريق القيام بتجارب كهذه فقط يمكننا معرفة ما ينجح وما لا ينجح."

وقد ازداد مجال البحث في لقاح السل تعقيداً لأن العلماء ما زالوا يجهلون سبب إصابة 10 بالمائة فقط من المرضى بالسل النشط على الرغم من هذا العدد الكبير من الأشخاص الذين يعانون من السل الكامن. وأضافت ماكشين أن العلماء لا يعرفون ما إذا كان التدخل للحماية من الإصابة بعدوى كامنة من شأنه الحماية أيضاً ضد السل النشط.

وأكدت ماكشين أن هذه الدراسة تقدّم بيانات قيمة، لم تكن متاحة سابقاً، لأن بعض الأطفال تمت متابعتهم في تجارب جنوب أفريقيا على مدى ثلاث سنوات. وقد زودت هذه الدراسة الباحثين ببعض الأدلة حول كيفية تحسين التجارب المستقبلية التي تنطوي على لقاح MVA85A من خلال، على سبيل المثال، مضاعفة الجرعات، واقتران اللقاح مع لقاح آخر مقترح للوقاية السل، أو العمل على آليات التنفيذ التي يمكن أن تدخل اللقاح مباشرة إلى رئتي المرضى، حيث التأثير الوقائي للقاح عصيات كالميت-غيران هو الأضعف.

وأضاف ويليم هانيكوم، مدير مبادرة لقاح السل في جنوب أفريقيا، أنه في حين فشلت الدراسة في تحقيق نتائج إيجابية، تمكنت من المساعدة على تطوير البنية التحتية والخبرة الدائمتين في واحد من البلدان الأكثر تضرراً في العالم. ففي جنوب أفريقيا، واحد من أصل 20 شخصاً يموتون جراء هذا المرض.

وأكد هانيكوم أنه "من المهم أن نفهم أنه لا يمكن القيام بهذا النوع من التجارب إلا في المناطق ذات المعدلات العالية للإصابة، وإلا لن نتمكن من الوصول إلى نقطة النهاية اللازمة لمعرفة ما إذا كان اللقاحات تنجح أو لا. نعلم أنه يمكن للمجتمعات التي نعمل معها الاستفادة من هذا."

ووفقاً للمكتب الوطني لتسجيل التجارب السريرية في جنوب أفريقيا، تضم جنوب أفريقيا حالياً 1,544 تجربةً سريريةً، 37 منها تتعلق بالسل. وقد أجرت مبادرة لقاح السل في جنوب أفريقيا 15 تجربة للقاح السل.

llg/kn/rz-bb/dvh
"