الفجوة بين الجنسين في جنوب السودان ما تزال واسعة

بعد مرور سنوات على انتهاء الحرب بين جنوب السودان والسودان، ما زالت النساء في البلاد يجدن أنفسهن على خط المواجهة – لكنهن يحاربن هذه المرة الاستغلال وسوء المعاملة وزواج الأطفال ونظام المهر الذي يجعل منهن سلعاً منذ الولادة.

ووفقاً لتقييم صدر عن مجلة النزاع والصحة في 6 مارس حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في جنوب السودان، وافق 68 بالمائة من الإناث و63 بالمائة من الذكور - من أصل عينة استطلاع مؤلفة من 680 شخصاً - على أن "المرأة تستحق أحياناً التعرض للضرب".

وفي هذا الإطار، قال باليكي ماثيو، الذي يدير شبكة تمكين المرأة في جنوب السودان، وهي منظمة غير حكومية: "لا يمكنك التحدث إلى الناس عن الذهاب إلى الشرطة إذا كانوا لا يرون في الأمر أي خطأ".
كما يقع عدد كبير من النساء ضحايا للعنف الجنسي. وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت أوليف مكويرا، وهي ممرضة في قسم الولادة في رمبيك عاصمة ولاية البحيرات: "لقد شهدنا حالات تعرضت فيها النساء للاستغلال لاسيما الشابات منهن".

وكانت إحدى الحالات الأصغر على حد قولها، طفلة في التاسعة من عمرها تم إدخالها إلى المستشفى جراء نزيف مهبلي؛ وقد نفى والداها أن يكون النزيف ناجماً عن الاعتداء عليها.

وقال أبنديغو مابيور نييندي، وهو ممرض متخصص في علاج العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويدير عيادة لجنة الإنقاذ الدولية، أن معظم ضحايا هذه الاعتداءات هم من الفتيات والنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 12 و30 سنة. "وبعضهن يبلغ 8 أو 10 سنوات من العمر، وحتى أقل من ذلك".

وتظهر النتائج أن معظم الحالات هي عنف قائم على النوع الاجتماعي.

أضافت مكويرا أنه "من الصعب أن تخبر المرأة عن ما حدث لها"، مضيفةً أنه إذا تم الاشتباه بتعرضها لاعتداء فإن "المجتمع ينبذها".

أصغر من أن توافق

ويمكن للزواج في حد ذاته أن يمهد الطريق للاستغلال وسوء المعاملة. فعلى الرغم من تحديد سن الرشد في جنوب السودان بـ 18 عاماً، إلا أن المسح الصحي للأسر السودانية لعام 2010 يشير إلى أن حوالى 38 بالمائة من الفتيات تزوجن قبل هذه السن، وهذا الرقم يرتفع إلى 54 بالمائة لدى الأسر الأفقر.

ويعتبر القانون العرفي أية امرأة حائض مناسبة للزواج. وقالت إيزيدوا ديركس بريغز، ممثلة دولة جنوب السودان في هيئة الأمم المتحدة للمرأة أنه "في بعض المجتمعات المحلية، يتم الإعلان عن بدأ الطمث لدى الفتاة من خلال رفع علم على سطح المنزل". وأضافت أن المجتمعات في معظمها تجهل القوانين التشريعية.

بالإضافة إلى ذلك، ما زال العديد من أعضاء الشرطة والقضاء يمارسون الزواج المبكر، معززين بذلك تلك التقاليد.

وأضاف ماثيو من شبكة تمكين المرأة في جنوب السودان: "نعتقد أن الزواج المبكر هو شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي وعدم المساواة". وتحاول شبكة تمكين المرأة في جنوب السودان تمرير القوانين التي تحمي النساء والفتيات، لكن نادراً ما تصل هذه الجهود خارج نطاق العاصمة، ناهيك عن مجتمعات الرعي في ولاية البحيرات، حيث يمكن للفتيات أن يوفرن ما يصل إلى 100,000 دولار أمريكي لأسرهن من خلال المهر.

وفي هذا الإطار، قال فرنسيس داوود، وهو طبيب في أحد أقسام الولادة في رمبيك أن أقارب الفتاة يقدّمونها للزوج الذي يقدم عدداً أكبر من الأبقار". ولذلك غالباً ما تتزوج الفتيات برجال كبار في السن.

وزواج الأطفال هذا يجبر الفتيات في كثير من الأحيان على ترك المدرسة، ولذلك يستطيع 16 بالمائة فقط من النساء في جنوب السودان القراءة والكتابة.

ويمكن أن تكون الآثار الجسدية مميتة أيضاً، فالحمل المبكر هو السبب الرئيسي لتسجيل جنوب السودان أعلى معدل للوفيات النفاسية في العالم. وتحث منظمة هيومن رايتس ووتش من جهتها الحكومة على تكثيف جهودها لوقف هذه الممارسة.

ويشير بيان صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن "زواج الأطفال المنتشر في البلاد على نطاق واسع يؤدي إلى تفاقم الفجوات الواضحة بين الجنسين في جنوب السودان لاسيما فيما يتعلق بالالتحاق بالمدارس، ويساهم في ارتفاع معدل الوفيات النفاسية، وينتهك حق الفتيات في التحرر من العنف وفي الزواج عند بلوغهن سن الرشد فقط".

الصمت والحرمان

ونادراً ما يتم الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي. وقال نييندي أنه يتعامل مع حوالى 4 حالات استغلال أسبوعياً، وهي بمعظمها جنسية، لكنه يعلم أن هناك العديد من هذه الحالات، لأن الأسر والسلطات تصمت عن الاغتصاب لتجنب وصمة العار التي يمكن أن تدمر فرصة الفتاة في الزواج.

وفيما يتم تحسين المعلومات حول الرعاية الصحية، تسعى النساء بشكل متزايد إلى الحصول على الرعاية من الأمراض المنقولة جنسياً بعد الاعتداء الجنسي. لكن من بين أكثر من 10 نساء تحدثت إليهن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، بما في ذلك الناشطات والأخصائيات في مجال الصحة، أشارت واحدة فقط إلى سبب غير طبي أو تعويضي للإبلاغ عن الاغتصاب.

وعلى الرغم من وجود وحدات حماية خاصة تابعة للشرطة للتصدي لهذه الجرائم، إلا أن النساء اللواتي يبلغن عن الاغتصاب لا يحصلن في الغالب على أية نتائج. وقال ماثيو أنه "يتم تبديل معظم هؤلاء الضباط أو نقلهم أو حتى الاستغناء عن خدماتهم، فأنت تقوم بتدريب عدد كبير من الناس ومن ثم يتم نقلهم إلى مكان آخر. وإذا ذهبت للتبليغ عن تعرضك للاستغلال، فمن المرجح أن يتم إرسالك إلى البيت".


الصورة: هانا مكنيش/إيرين
التمكين الاقتصادي أساسي لتقدم المرأة

وبعد أن قامت جماعات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بإعداد تقارير حول الانتهاكات الخطيرة التي مارسها الجيش - بما في ذلك الاغتصاب - خلال عملية نزع السلاح في ولاية جونقلي العام الماضي، أعلن أحد أعضاء البرلمان أن العنف الجنسي لم يكن موجوداً في جنوب السودان.

وتحدى الصحفيين قائلاً: "ليس لدينا أي كلمة تشير إلى الاغتصاب، فكيف يمكن لذلك أن يحصل؟"
وقال متحدث آخر باسم الحكومة أن ما من جندي سيرتكب مثل هذه الأمور لأن العقوبة خلال عقود من الحرب كانت الإعدام رمياً بالرصاص.

لكن وكيل وزارة الثقافة والتراث، جوك مادوت جوك قال أنه خلال الحرب، أملت "الروح الثورية" لدى المقاتلين من أجل الحرية بوجوب أن تنجب المرأة أكبر عدد ممكن من الأطفال لإعادة رفع عدد السكان. وأضاف أن ذلك "أصبح بمثابة ترخيص يسمح للناس بتعريض أي امرأة لإمكانية الإنجاب – لكي يتمكن الشاب من إنجاب الأطفال، في حال توفى مبكراً."

فجوة اجتماعية واقتصادية

من جهة أخرى، قالت جيني بيكر، أخصائية النوع الاجتماعي في لجنة الإنقاذ الدولية في ولاية البحيرات أنه بصرف النظر عن "العنف الجسدي والجنسي الذي عادة ما يحصل، لديك العنف الاقتصادي والاجتماعي، الذي أعتقد أنه أكثر انتشاراً".

وقال نييندي أن الزواج بات الآن مكلفاً حقاً هنا، إذ يكلف 30 بقرة بالمتوسط، وهو ما يساوي نحو 500 دولار للبقرة الواحدة.

ومع ارتفاع الأسعار، نادراً ما تكون النساء قادرات على ترك أزواجهن. وقالت ماري ياي، وهي أرملة، تعرف 5 نساء علقن في زيجات يتعرضن فيها للعنف منذ سنوات عدة: "ستقول الأسرة أنهم دفعوا لك الكثير من الماشية".

وتساءلت إيزيدوا ديركس بريغز قائلة: "إذا لم تكن المرأة تملك مصدراً يمكّنها اقتصادياً، كيف يمكنها أن تنهض وتترك بيت زوجها؟"

وعادةً ما يتم التعامل مع تقارير سوء المعاملة داخل أسرة الرجل، في حين تؤجل السلطات المختصة معالجة قضايا كهذه.

وأضافت إيزيدوا ديركس بريغز: "إذا كان هناك أي إجراء عقابي، يقوم الرجل عندها بدفع بعض الأبقار، ويتم حل الموضوع من قبل الأسرة. لكن الدعاوى القضائية لا تبصر النور أبداً. لقد رأيت قضاة يأتون ويعطون الآباء تحذيراً أو يصدرون أمراً يمنعهم من تقديم بناتهم للزواج قبل سن الـ 18 أو قبل أن تنهي الفتاة دراستها في المدرسة، غير أنهم في الوقت الحالي لن يحاكموا أي شخص لأنهم يخافون على حياتهم".

وفي حالات الطلاق، يحصل الأزواج تلقائياً على حضانة الأطفال إلا إذا كانوا صغاراً جداً، ففي هذه الحالة تقوم الزوجة برعايتهم إلى أن يبلغوا عمراً محدداً، ومن ثم يتم تسليمهم إلى الآباء.

من جهتها، قالت جاكلين نوفيلو، مديرة قسم النوع الاجتماعي في وزارة النوع الاجتماعي والطفل والرعاية الاجتماعية، أن ميراث الزوجة هو قضية أخرى: "ففي بعض الأحيان تضطر الأرامل إلى العثور على شخص لرعاية أطفالهن، فيكون عليها مثلاً أن تتزوج شقيق زوجها المتوفي".

وتابعت إيزيدوا ديركس بريغز قائلةً: "إن تعذر الحصول على الخدمات الصحية يشكل انتهاكاً آخر للحقوق".
وقالت مونيكا أجاك مادنغ: "عندما نكون حوامل، لا يأخذوننا إلى العيادة، وهو أمر خطير جداً خاصة عندما نعاني من مشاكل، أو عندما لا نحصل على ما يكفي من الطعام. هناك العديد من النساء اللواتي يعانين من سوء التغذية هنا ويمتن بسبب ذلك".
التمكين الاقتصادي

إلا أن التغيير قادم لكنه يتسم بالبطء. فوفقاً لنوفيلو، أعطى الدستور الانتقالي النساء حقوقاً متساوية في العمل والحصول على نفس الرواتب والاستفادة من كافة المنافع التي يتمتع بها الرجال، بما في ذلك التعليم. لكن هناك فجوة كبيرة. فالقوانين موجودة، لكن واقع المساواة بين الجنسين بعيدة كل البعد عنها وعلينا أن نعمل على التوعية بشأن الحقوق".

وقانون الأراضي الجديد، على سبيل المثال، يمنح المرأة الحق في أن ترث الممتلكات من زوجها، لكن كالعديد من الضمانات المقدمة إلى المرأة، ما زال هذا القانون حبراً على ورق.
مع ذلك، قالت نوفيلو أن قادة المجتمع المحلي يتعاونون تدريجياً مع جهود الحكومة لحماية حقوق المرأة والرعاية الاجتماعية.

وفي بلد تفتقر فيه النساء عادة إلى الاستفادة من الخدمات المالية، يسمح برنامج "Bank in a Box" التابع للجنة الإنقاذ الدولية للمرأة بشراء أسهم صغيرة، والإقراض لبعضهن البعض، وربح الفائدة. وقد تمكنت "مديرة" البنك، تيريزا أدونغ من دفع تكاليف الأدوية والرسوم المدرسية، كما أذهلت مجتمعها من خلال توفير ما يكفي لشراء ثور وتحسين مزرعتها.

وقالت أدونغ: "لقد رأيت الكثير من النساء اللواتي تغيّرت حياتهن. التقاليد نفسها هي التي تضع المرأة في وضع الخنوع. إذا أمعنت النظر في القطاع الزراعي، ستلاحظ أن النساء يقمن بكافة الأعمال، من الزراعة إلى البيع في السوق. لكن عندما يتعلق الأمر بالمال، يستولي الرجال على كل شيء ويأخذونه لأنفسهم".

وقالت جيني بيكر من لجنة الإنقاذ الدولية أن الفتيات في المدارس وأقرانهن الذكور باتوا يرفضون زواج الأطفال على نحو متزايد. وأضافت: "إنهن يتحدثن بصراحة. وأعتقد أنه عندما يزيد عدد النساء المتعلمات واللواتي يرتدن المدرسة ويعرفن أن هذا مخالف للقانون، سنبدأ برؤية التغيير".

hm/kr/rz-bb/dvh

"