القواعد الشعبية تتحرك لكبح جماح العنف الطائفي في ميانمار

في أوائل شهر يوليو، قام حشد من مئات البوذيين بالتجمع حول متجر في ماندالاي، ثاني أكبر مدينة في ميانمار، في الوقت الذي انتشرت فيه شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي بأن صاحب المتجر المسلم قام باغتصاب امرأة بوذية. وخلّف العنف الذي عقب ذلك قتيلين اثنين وعشرات الجرحى.

ومنذ عام 2012 قتل أكثر من 240 شخصاً نتيجة العنف الطائفي الذي يجري على أساس ديني وعرقي، وغالباً ما يكون الضحايا من المسلمين.

وأخبر ثان نيونت من مجموعة ماندالاي الدينية للتسامح بين الأديان شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن تدخل الزعماء المسلمين والبوذيين أدى إلى منع انتشار العنف في ماندالاي وهو إنجاز كبير، كما يقول الخبراء وقادة المجتمعات المحلية، بالنظر إلى المناخ السياسي المستقطب حالياً في البلاد.

وأضاف ثان نيونت قائلاً: لقد خاطبنا الحشود في الشوارع والناس في المجتمعات المحلية وقمنا بحثّهم على عدم التورط في القتال، وعدم تصديق الشائعات التي يتم الترويج لها".

وفي 8 يوليو، أي بعد أسبوع من اندلاع أحداث الشغب، خاطب رئيس ميانمار الإصلاحي ثين سين الأمة عبر الأثير قائلاً: "لقد واجهنا تحديات مختلفة من النزاعات العرقية والدينية .... والكثير من تلك النزاعات كانت نتيجة التحريض المتعمد لعرقلة هدفنا المتمثل في تحقيق مجتمع قائم على المبادئ الديمقراطية".

وبعد وقوع أعمال العنف، فرضت الحكومة حظراً للتجول في ماندالاي ونشرت قوات الأمن هناك.

وقال شيت هتو، نائب رئيس بياماسو للخدمات الاجتماعية، وهي منظمة غير حكومية في ماندالاي: "مع انتشار رجال الشرطة في جميع أنحاء المدينة، لم يعد الناس بحاجة إلى القلق بشأن سلامتهم". ويعدّ هتو شيت عضواً في لجنة إعادة توطيد السلام في ماندالاي وهي مجموعة شعبية تشكلت في أعقاب أعمال العنف التي وقعت في يوليو من قبل بعض كبار السن من المواطنين في ماندالاي بتوجيه من الرهبان البوذيين. وحذت حذوها مجموعات مجتمعية أخرى.

وقال شاين وين، أحد الأعضاء المؤسسين للائتلاف الشبابي المشترك بين الأديان لمواجهة الإيدز في ميانمار: "حرصاً على مستقبل بلدنا، والأجيال القادمة، يجب علينا أن نضمن تحقيق سيادة القانون وحصول المجتمعات على تعليم جيد ومتناغم، واستجابة الحكومة بشكل فوري وفعال".

ولكن بعض المحللين يقولون أن المبادرات التي يقودها المجتمع المحلي ستواجه استقطاباً متزايداً غالباً ما يؤججه التلاعب السياسي مع اقتراب الانتخابات التي ستقام في عام 2015.

وتحظى القيادات الدينية، لاسيما الرهبان البوذيون، بمكانة سياسية كبيرة في ميانمار: فقد كانوا لاعبين كبار في زمن النضال من أجل استعادة الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني وفي دعم الحركات الديمقراطية. ولكن في بيئة سمتها مجموعة الأزمات الدولية "نزعة قومية بورمية-بوذية متصاعدة" تدفعها "قوة سياسية شعبية يقودها الرهبان تتخفى في عباءة الاحترام الديني والمرجعية الأخلاقية"، يمكن لتأثير الرهبان أيضاً أن يؤجج لهيب الكراهية.

وقال ديف ماثيسون، الباحث البارز في الشؤون البورمية لدى منظمة هيومان رايتس ووتش: "كما جرت العادة مع العنف الطائفي في بورما، تزداد حبكة الرواية تعقيداً مع انقشاع الغبار. ويبقى السؤال معلقاً: هل كانت هذه حالة أخرى من العنف الديني الطبيعي العفوي، أو عملية مدبرة كجزء من المشهد السياسي الأوسع نطاقاً للاستفادة من العنصرية قبيل الانتخابات المزمع عقدها في بورما في عام 2015؟"

ردود الفعل الضعيفة تغذي الشائعات

وقال الرئيس ثين سين في خطابه الوطني: "يجب أن يتجنب الجميع خطاب الكراهية والتحريض، والتعاون بتعقّل وشجاعة وبصيرة من أجل تقديم المسؤولين عن هذه الأفعال للعدالة".

ولكن فشل الحكومة في منع وقوع الاشتباكات أو التحقيق فيها وملاحقة المتورطين في إشعالها يشير إلى وجود قبضة ضعيفة لمواجهة المحرضين.

وقال فيو مين ثين، المشرّع في بلدة هليجو في منطقة يانغون، والتي شهدت مشاجرة صغيرة بين مجموعات من البوذيين والمسلمين في أبريل 2013: "طالما أن سيادة القانون ضعيفة ولا تتخذ الحكومة الإجراءات الفورية وبشكل فعال، يمكن للنزاع [الطائفي] أن ينتشر بشكل واسع النطاق".

وقال بنيديكت روجرز، قائد فريق منطقة شرق آسيا في منظمة التضامن المسيحي حول العالم (CSW): "يوحي الفشل المتكرر للحكومة بأن هناك عناصر من الحكومة قد لا تكون متعاطفة فقط مع الجناة ولكنها ربما تقوم بخلق المشاكل بشكل نشط". وأضاف قائلاً: "قد تكون هناك أسباب سياسية وراء ذلك. وهناك الكثير من التكهنات، والكثير من النظريات والشائعات، وبعضها يبدو معقولاً".

وتشير نظرية تلقى شعبية إلى علاقة ذلك بالزعيمة الديمقراطية داو أون سان سو تشي، التي كان من المقرر أن تزور ماندالاي الأسبوع الماضي للمشاركة في مسيرة حاشدة بخصوص الإصلاح الدستوري. وقد منعت سو تشي التي كانت قيد الإقامة الجبرية لمدة 15 سنة من الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2015 وفقاً لدستور ميانمار لعام 2008.

وأوضح ماثيسون من منظمة هيومان رايتس ووتش قائلاً: "ربما ليس من قبيل المصادفة أن توزع مذكرة وهمية صادرة عن حزبها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية (NLD) في جميع صفحات الفيسبوك في بورما زاعمة أن الرابطة تخطط للاستفادة من أعمال الشغب في [ماندالاي] لحماية المسلمين" مضيفاً أن يو ويراثو، وهو راهب مؤثر ومعروف مقره ماندالاي أثارت خطبه المناهضة للمسلمين انتقادات حادة، يعارض علناً تعديل أحد بنود الدستور والذي من شأنه أن يسمح لسو تشي في الترشح للرئاسة.

وأضاف روجرز قائلاً: "إن أفضل وسيلة يمكن للحكومة أن تثبت فيها خطأ نظريات المؤامرة هي اتخاذ إجراءات واضحة لمنع وقوع المزيد من العنف، وتقديم مرتكبي أعمال العنف إلى العدالة ووضع حد للتمييز، والتصدي لخطاب الكراهية".

التوترات في تزايد

ويأتي العنف في ماندالاي بعد 15 شهراً على اندلاع اشتباكات طائفية دامية بين البوذيين والمسلمين في مدينة ميكتيلا التي تبعد حوالي ساعتين عن ماندالاي وقد أدت هذه الاشتباكات إلى مقتل 40 شخصاً وتشريد 1,200 آخرين. وفي شهر يونيو 2012، هاجم حشد من البوذيين في غرب ولاية راخين رجالاً مسلمين انتقاماً لحادثة اغتصاب مزعومة، لتتفجر أعمال الشغب التي خلفت 80 قتيلاً وعشرات الآلاف من النازحين.

وأدى تجدد العنف في أكتوبر من ذلك العام إلى تهجير 100,000 نازح آخرين، ما زالوا مهجرين إلى يومنا هذا.

ويذكر أن الحكومة نشرت في مايو 2014 أول قانون من أصل أربعة مثيرة للجدل حول تغيير المعتقد الديني مما أذكى التوترات، وأثار انتقادات لانتهاكه معايير حقوق الإنسان. وفي يونيو أعفى ثين سين وزير الشؤون الدينية يو سان هسينت من منصبه وعين بدلاً منه مستشارين من ضمنهم مسؤول عسكري متورط في حملة 2012 التي أصيب فيها عدد من الرهبان البوذيين.

وتستمر التوترات العرقية والدينية في التفاقم في ولاية راخين، موطن أقلية الروهينجا المسلمة المحاصرة.

ولم يشمل أول تعداد للسكان في ميانمار منذ 30 عاماً لفظ "الروهينجا"، وهو ما وصفه المحللون في المبادرة الدولية لجريمة الدول أنه جزء من "عملية التجريد من الإنسانية"، التي تقوم بها الدولة تمهيداً للإبادة الجماعية، حيث قامت "الدولة البورمية لعقود بتبرير "العنف ضد الروهينجا".

وفي مارس، أدى العنف الذي أطلقته حشود من الراخين البوذيين ضد وكالات الإغاثة بسبب اعتقادهم بأنها منحازة للروهينجا إلى انسحاب شامل للمنظمات الإنسانية من ولاية راخين. وأثناء الزيارة التي قامت بها كيونغ وا كانغ، مساعد الأمين العام للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في 13 يونيو إلى مخيمات النازحين داخلياً في ولاية راخين، وصفت كانغ الموقف بأنه "مروع مع عدم كفاية إيصال الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي إلى النازحين".

القواعد الشعبية والاستجابة على الانترنت

ووسط الإجراءات المحدودة من جانب الحكومة، قام بعض قادة المجتمع المحلي بأخذ زمام المبادرة بأنفسهم. وفي هذا الإطار، قال بو بو لوين من مؤسسة كاليانا ميتا للتنمية، وهي مجموعة بوذية أقامت ورش عمل للترويج للسلام بالتعاون مع الجماعات الدينية الأخرى في عدة مدن: "ينبغي توفير التعليم عن الأديان الأخرى على مستوى المجتمع المحلي".

من جهته قال شاين وين من الائتلاف الشبابي المشترك بين الأديان لمواجهة الإيدز في ميانمار أن الإصلاح التعليمي يجب أن يكون جزءاً من الحل.

وتابع حديثه قائلاً: "تحتاج الحكومة إلى تقديم الدروس عن تاريخ الأديان المختلفة في المناهج الدراسية. فعندما يتعلم الأطفال عن الأديان الأخرى في المدرسة، يمكن للمجتمعات أن تكون متكاملة بشكل أفضل عندما يكبر هؤلاء الأطفال".

وقال شاين وين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن جزءاً من جهود التوعية للمجموعات المجتمعية المشتركة بين الأديان "يجب أن يكون لمواجهة خطاب الكراهية والشائعات التي تنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وأضاف قائلاً: "المشكلة هنا هي أن الكثيرين يصدقون المعلومات التي يحصلون عليها من المدونات أو المواقع على الانترنت، دون النظر فيما إذا كانت موثوقة أم لا".

وختم شاين وين حديثه قائلاً أن "واحدة من الحملات التي سنقوم بها هي رفع الوعي بين الناس لعدم تصديق الشائعات التي يحصلون عليها [من قنوات مختلفة] مثل شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك"، مضيفاً أنهم حاولوا القيام بمثل هذه الحملة عندما بدأت الشائعات التي تحدثت عن الاغتصاب في ماندالاي تنتشر على شبكة الإنترنت، لكنها كانت محدودة جداً في الانتشار للتمكن من منع الصدامات العنيفة.

"نحن بحاجة للقيام بهذا النوع من التوعية على نطاق أوسع ومع عدة مجموعات مشتركة بين الأديان، لتذكير الناس بأهمية التحقق من مصادر المعلومات وعدم تصديق المحرضين على شبكة الإنترنت".

nl/kk/cb-aha/dvh
"