الشرق الأوسط :الحصاد الإنساني لعام 2011

 حين احتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع عدد من مدن الوطن العربي خلال عام 2011 للمطالبة بالتحرر من الدكتاتورية، أطلقوا شرارة سلسلة من الأحداث تمخضت عن ظهور احتياجات إنسانية في دول كانت تعتبر مستقرة نوعا وتفاقم تحديات إنسانية وإنمائية موجودة مسبقاً في تلك البلدان.

وفي هذا السياق، قال عبد الحق أميري، مدير المكتب الإقليمي للأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في الشرق الأوسط، أنه "على الرغم من آمال الحرية والديمقراطية والحياة الأفضل التي جاء بها الربيع العربي إلا أن ثمن ذلك كان باهظا".

و في ما يلي تتطرق شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) لعشر من التبعات الإنسانية للأحداث الجسيمة التي شهدتها المنطقة العربية خلال السنة المنصرمة، خصوصاً في مصر وليبيا وسوريا واليمن.

الخسائر البشرية

ابتدأ عام 2011 بثمانية عشر يوما من المظاهرات ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك مما تسبب بمقتل ما يزيد عن 800 شخص وإصابة أكثر من 6000 شخص آخر. كما تسببت الاشتباكات المتفرقة بين المتظاهرين وقوات الشرطة ومسلحين آخرين في مقتل ما لا يقل عن 81 شخصاً وإٌصابة المئات بحلول نهاية العام.

من جهة أخرى، أدى قمع المتظاهرين المطالبين بتنحي الرئيس بشار الأسد في سوريا إلى مقتل ما يزيد عن 5,000 شخص، ويستمر هذا الرقم في التغير بشكل مستمر .

أما في اليمن، فقد لقي ما يزيد عن 2,700 متظاهر، بما فيهم رجال القبائل وجنود منشقين وعناصر موالية للحكومة من الجيش والشرطة، حتفهم في مظاهرات ابتدأت بشكل سلمي ثم تطورت إلى مقاومة مسلحة. وحسب منظمة دار السلام، وهي منظمة غير حكومية محلية، تعرض حوالي 24,000 شخص آخر لإصابات متفاوتة منذ بدء المظاهرات في اليمن مطلع شهر فبراير 2011.

وفي السياق نفسه، يقدر ثوار سابقون في ليبيا عدد القتلى في البلاد بحوالي 50,000 قتيل.

النزوح

فر آلاف السوريين إلى تركيا ولبنان والأردن هرباً من الاشتباكات الدائرة بين القوات الحكومية والمتظاهرين المدعومين من طرف المنشقين عن الجيش السوري. وقد أدى هذا إلى مزيد من الصعوبات الاقتصادية بالنسبة للعديد من الأسر المضيفة في لبنان، بالإضافة إلى تعرض المزيد من النازحين السوريين لهجمات متكررة سواء على المعابر الحدودية داخل الأراضي السورية أو بعد تخطيهم الحدود في محاولة للجوء إلى دول مجاورة.

أما في مصر، فقد تسببت "الاشتباكات الطائفية" في مصر، بالإضافة إلى سلسلة من الهجمات على الكنائس القبطية المسيحية، في هجرة حوالي 100,000 مسيحي من مصر خلال الأشهر التي تلت الثورة، حسب إحدى المنظمات غير الحكومية المحلية.

في حين يعاني العديد من النازحين داخلياً في ليبيا من العديد من المصاعب التي تعرقل عودتهم إلى ديارهم، وذلك بسبب الدمار الكبير التي تعرضت له مناطقهم بالإضافة إلى التطورات السياسية الحساسة التي تلت سقوط النظام السابق.

وعلى صعيد آخر، يستعد العراق لاستقبال موجة من اللاجئين العائدين إلى ديارهم هرباً من الاضطرابات التي تهز بعض الدول المجاورة التي كانت تستضيفهم.

الهجرة

أثر الربيع العربي علي ملايين المهاجرين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عندما هزت المظاهرات أنحاء مختلفة في المنطقة وتسبب بتيارات هجرة جديدة.

ففي ليبيا اتهم الثوار المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى بمساندة القذافي، مما تسبب بهرب مئات الآلاف منهم إلى ديارهم حيث تعجز مجتمعاتهم على تلبية احتياجاتهم.

كما اضطر العديد من المصريين إلى مغادرة ليبيا والعودة إلى بلدهم بالرغم من معاناته من صعوبات جمة ومشاكل قومية أدت إلى زيادة العنف والتطرف ضد الأجانب بما فيهم المهاجرين واللاجئين.

وفي السياق نفسه، واصل النازحون والمهاجرون الصوماليون والإثيوبيون التدفق باتجاه اليمن بأرقام متزايدة وبشكل غير مسبوق على الرغم من المشاكل العديدة التي يعاني منها اليمن حالياً. وعادة ما يتم اتهام هؤلاء المهاجرين بالانضمام إلى الصراع المتأجج بين علي عبد الله صالح والمتظاهرين الذين يسعون للإطاحة به.

وفي الوقت ذاته، فر عشرات الآلاف من اليمنيين إلى السعودية بشكل غير قانوني من أجل الحصول على فرص للعمل، حيث أفادت السلطات السعودية أنها احتجزت حوالي 239,000 مهاجر غير شرعي خلال عام 2011، أي بنسبة 37% أكثر من عام 2010. 

الرعاية الطبية

قاد القمع العنيف للمظاهرات في ساحة التحرير في مصر إلى نقص شديد في الأدوية في الصيدليات بالإضافة إلى تضاءل كبير في عدد المتبرعين بالدم. وفي ظل الفراغ الأمني الذي تلا سقوط مبارك، أصبحت المستشفيات أماكن محفوفة بالخطر.

أما في اليمن، فقد شهد معدل التطعيم انخفاضاً بنسبة تتراوح بين 20 و40 بالمائة نتيجة التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها البلاد. كما تعاني المستشفيات لتلبية الاحتياجات المتزايدة بين المتظاهرين. كما أدى الفراغ الأمني إلى قصور كبير في عمليات المراكز الصحية ناهيك عن صعوبات الوصول إليها، مما تسبب في فرار العديد من الأطر الطبية من المستشفيات والمراكز الصحية مما جعلها بالكاد قادرة على سد احتياجات الناس. كما أن الوجود العسكري داخل المستشفيات وفي محيطها اضطر بعض المصابين للتوجه للعيادات الخاصة.

وهو نفس الوضع الذي يتكرر في سوريا حيث أفاد العديد من الناشطين أنهم يخشون نقل المتظاهرين المصابين إلى المستشفيات مخافة تعرضهم للاعتقال من قبل العناصر الأمنية الموجودة داخلها أو في محيطها.

أما في ليبيا، فقد عانى المصابون معاناة كبيرة للوصول إلى المستشفيات، كما واجهت الحكومة صعوبات متزايدة لترتيب رحلات الإجلاء الطبي لمصابي الحرب إلى الخارج .

التعليم

من المرجح أن لا تتمكن العديد من دول المنطقة من تحقيق أهداف الألفية الإنمائية فيما يخص قطاع التعليم بحلول 2015 بسبب عدم الاستقرار السياسي. ففي مصر أجبرت المظاهرات والاشتباكات التي تهز مختلف أرجاء البلاد المدارس والمؤسسات التعليمية على غلق أبوابها، في الوقت الذي يشكو فيه الأهالي من تعرض أبنائهم للهجوم من قبل مسلحين خارجين عن القانون أثناء توجههم إلى المدارس، وهو ما أكدته بعض المنظمات الحقوقية بقولها أن بعض المجرمين يتعرضون لأطفال المدارس بالسلاح لسرقة نقودهم.

و في اليمن اضطر مئات الآلاف من طلاب المداس لملازمة منازلهم بسبب احتلال مدارسهم من طرف النازحين الذين أووا إليها أو بسبب استخدامها كثكنات عسكرية من طرف قوات الجيش.
ولا يختلف الحال كثيراً في سوريا، حيث تعرضت مدرسة في حمص لهجوم مسلح. وعلى خلاف ذلك، وكنقطة إيجابية، تمكن الطلاب السوريون النازحون إلى شمال لبنان من التسجيل في المدارس ومواصلة تعليمهم هناك.

الخدمات الأساسية

يواجه اليمن أزمة شديدة في توفر المياه والكهرباء. وبحلول نهاية العام ازداد سعر المياه المنقولة بالشاحنات إلى ثمانية دولارت للمتر المكعب، وهو ما يعادل ضعفي إلى ثلاثة أضعاف سعر المتر المكعب خلال شهر مارس من نفس السنة. كما شهدت معظم مدن اليمن الرئيسية ومنها صنعاء انقطاع متكرر للكهرباء تجاوز عشرين ساعة يومياً نتيجة الهجمات المستمرة على شبكة الكهرباء الوطنية.

في حين عانت بعض المناطق في ليبيا من انقطاع للماء والكهرباء استمر لعدة أشهر بسبب الدمار الشديد الذي تعرضت له البنية التحتية في البلاد. كما أفاد نشطاء في سوريا أن بعض مناطق البلاد تعرضت لقطع لإمدادات الماء والكهرباء لأيام متواصلة أثناء العمليات العسكرية أو قبلها.

الاقتصاد

أدى الربيع العربي إلى ارتفاع في أسعار الطعام والوقود في المنطقة، بالإضافة إلى نقص في بعض السلع في الأسواق، وفقدان العديد من الأشخاص لوظائفهم وإفلاس العديد من المشاريع وسحب العديد من الاستثمارات. وتعرض الاقتصاد في مصر واليمن وسوريا بشكل خاص لضربات موجعة، حيث تدهور قطاع النفط في ليبيا بشكل ملحوظ، وواجهت البلاد صعوبات في استرجاع أرصدتها التي تم تجميدها في ظل العقوبات الدولية ضد نظام القذافي.

الأمن الغذائي

أجبرت الأحوال الاقتصادية المتردية في دول المنطقة العديد من الأسر على القيام باختيارات صعبة. ففي اليمن، حيث لم يكن ثلث السكان يحصل على الغذاء الكافي قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، حذر عمال الإغاثة من الانتشار الكبير لسوء التغذية. كما شهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية في اليمن ارتفاعاً بمعدل 43% خلال عام 2011 في بلد ينفق سكانه ما يتراوح بين 30% و35% من دخلهم اليومي لشراء الخبز.
كما حذر المركز الإعلامي للدراسات والاقتصاد، وهو مركز بحوث محلي في اليمن، من تزايد أعداد الأشخاص المعرضين لخطر سوء التغذية من سبعة ملايين شخص إلى تسعة ملايين خلال عام 2011 بسبب التوتر وعدم الاستقرار.

وحاولت سوريا دعم الأمن الغذائي عبر تقديم دفعات مالية لآلاف الأسر المتأثرة بالأحداث. أما في مصر، فلم تتمكن الحكومة من الاستمرار في دعم أسعار الخبز الذي يعتمد العديد من الفقراء في البلاد. كما ظهرت مؤشرات على انتشار سوء التغذية في شمال مصر.

انتشار الأسلحة
ازداد انتشار الأسلحة في المنطقة وخصوصاً في ليبيا حيث يقدر عدد المسلحين الذي ينبغي تسريحهم بحوالي 120,000 مسلح. كما ازداد عدد المسلحين في مصر بشكل مفاجئ، حيث اضطر السكان لشراء أسلحة خفيفة لحماية بيوتهم وأسرهم. كما تسبب تزايد عدد المنشقين عن الجيش في تزايد العنف في اليمن وكذلك في سوريا التي حذر المنسق المقيم للأمم المتحدة فيها في شهر سبتمبر الماضي من خطر نشوب حروب أهلية. وقد أدى ضعف سيطرة الحكومة في اليمن فعلا إلى اقتحام القبائل لثكنات الجيش والاستيلاء على كميات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

المعونات الإنسانية

تسبب انعدام الأمن وتزايد الصراع في العديد من مدن اليمن في عرقلة جهود المنظمات الإنسانية مما زاد من صعوبة توصيل مواد الإغاثة. أما سوريا، فلطالما تعذر وصول عمال الإغاثة إلى المناطق المتأثرة كما كان الحال بالنسبة للعديد من المدن الليبية خلال الأشهر التي تأججت فيها المواجهات.

ووفقاً لأحد مسؤولي الأمم المتحدة، دفعت الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بعض دول الخليج إلى تقليص ميزانياتها الخاصة بالمساعدات الخارجية والتركيز على الإصلاحات الداخلية لكسب رضا مواطنيها والحيلولة دون اندلاع ثورات في بلدانها. وقد انعكس ذلك على عدد من دول المنطقة التي كانت تستفيد من هذه المساعدات، حيث تحدثت السلطة الفلسطينية عن نقص دعم الدول المانحة.

ae/ay/jg/ha/cb-mf/amz