تفاقم أوضاع طالبي اللجوء في ليبيا

في ظل استمرار تصاعد أعمال العنف في ليبيا، يشكو معظم الدبلوماسيين والعاملين الأجانب من أنهم لم يتلقوا حتى الآن مساعدة من حكوماتهم وأصحاب العمل لمغادرة البلاد. أما بالنسبة لعشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء في ليبيا، فإن الإمكانية الوحيدة للهرب تقع في أيدي المهربين.


وحتى قبل اندلاع الجولة الأخيرة من المواجهات بين الميليشيات المتناحرة، أدى عدم وجود حكومة مركزية قوية في ليبيا، وكثرة الثغرات في حدودها، وقربها من جنوب إيطاليا، إلى جعلها مركزاً لتجارة تهريب البشر. فقد أضحت ليبيا نقطة الانطلاق التلقائية لمحاولات عبور البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لطالبي اللجوء الفارين من الصراع والاضطهاد في سوريا وإريتريا والصومال وغيرها من المناطق. ويأتي هذا في ظل تنامي إغلاق الطرق البرية الأكثر أمناً المؤدية إلى أوروبا بسبب قيام الدول الأوربية بتشديد الرقابة على حدودها.

وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى أن حوالي 77,000 من المهاجرين وطالبي اللجوء قد عبروا من ليبيا إلى إيطاليا حتى الآن في عام 2014، وهذا العدد يفوق إجمالي عدد الذين هاجروا عبر الطريق ذاته في عام 2013. ومن المرجح أن يدفع الصراع الحالي المزيد من الأشخاص للمخاطرة بالعبور على متن السفن المتهالكة والمكتظة.

وقد ازداد عدد القوارب التي تغادر ليبيا إلى أوروبا من خمسة قوارب يومياً قبيل الصراع الحالي، ليصل في الوقت الحالي إلى 15 يومياً، وذلك بحسب ما قالته ميرون استفانوس، وهي صحافية إرتيرية وناشطة في السويد تتحدث بشكل دوري مع طالبي اللجوء الإريتريين الذين يواجهون صعوبات في ليبيا، وفي أماكن أخرى، من خلال برنامجها الإذاعي الذي تقدمه بشكل أسبوعي.

وفي هذا الصدد، قالت استفانوس لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "الناس يشعرون باليأس والمهربون يجنون الكثير من المال". وقد كان المهربون يتقاضون حوالي 1,000 دولار لعبور الفرد في السابق، لكنهم رفعوا السعر الآن إلى حوالي 2,400 دولار.
الناس يشعرون باليأس والمهربون يجنون الكثير من المال


وقد أكدت مصادر استفانوس والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا في 5 أغسطس أنه في ظل زيادة خطورة الأوضاع في العاصمة طرابلس وصعوبة الوصول إليها، فإن عدداً متزايداً من المهاجرين وطالبي اللجوء يستقلون القوارب من بنغازي ومدينة الخمس، التي تبعد نحو 100 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس. والنتيجة هي رحلات أطول وربما أكثر خطورة إلى إيطاليا.

وأفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 128 شخصاً لقوا مصرعهم في الأسبوع قبل الماضي، العديد منهم من النساء والأطفال، عندما انقلب القارب الذي يستقلونه قرب مدينة الخمس. وبذلك يرتفع عدد الذين لقوا حتفهم وهم يعبرون البحر الأبيض المتوسط هذا العام إلى ما يزيد عن 1,000 شخص.


انسحاب معظم وكالات المعونة

وعلى الرغم من أن هناك قرابة 37,000 من طالبي اللجوء واللاجئين مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، إلا أن الكثيرين غير مسجلين ولا يمتلكون وثائق، ومن ثم يفتقرون إلى الحماية سواء من المفوضية أو من سفاراتهم. كما أنهم عرضة للقبض عليهم من قبل السلطات الليبية، ونقلهم إلى أحد مراكز احتجاز المهاجرين التي يصل عددها إلى 19 مركزاً.

مع ذلك، فإن معظم الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية التي كانت تقدم في السابق بعض الدعم لهذه الفئة من السكان قد سحبت موظفيها الآن من ليبيا.

وقد قام المجلس الدانماركي للاجئين، الذي كان يساعد المهاجرين المحتجزين في مراكز الاحتجاز ودعم الآخرين بالنصح والمشورة القانونية والمواد غير الغذائية، بإجلاء موظفيه الدوليين وإلغاء جميع عملياته.

وتعليقاً على هذه الخطوة، قال كريستيان هانسن، المدير الإقليمي المؤقت للمجلس الدنماركي للاجئين: "مع انسحاب المنظمات الدولية، من المؤكد أنه لا يتم الوصول إلى بعض الفئات السكانية الأكثر ضعفاً ولا يتم مساعدتها بما في ذلك المهاجرون، الذين يحاول عدد منهم الخروج من ليبيا إلى تونس، لكنهم لا يتمكنون من الدخول لأن الحدود مغلقة".

وأضاف هانسن: "إننا نتحدث مع مفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول إمكانية دعم المهاجرين والنازحين العالقين على الحدود مع تونس".

سوء الأوضاع في مراكز الاحتجاز

وقد نقلت الهيئة الطبية الدولية (IMC) موظفيها الدوليين إلى تونس، ولكن الموظفين المحليين يواصلون توفير الرعاية الصحية الأساسية وتقديم الأدوية الضرورية وبعض الأغذية والمستلزمات غير الغذائية للمهاجرين وطالبي اللجوء في المناطق الحضرية وفي مراكز احتجاز المهاجرين في مصراته وغريان والخمس ومناطق من طرابلس.

وعن الأوضاع في مراكز الاحتجاز، قالت ميلكا داميانوفيتش، التي تتولى إدارة المشروع الممول من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر الهاتف من تونس، أن الأوضاع المتردية أصلاً في مراكز الاحتجاز التي أضحت أكثر سوءاً بسبب الاكتظاظ المفرط في الأسابيع الأخيرة: "تعاني هذه المرافق من سوء الإدارة وهي في حالة سيئة ... وقد أصبح من الصعب الوصول إلى بعض المراكز في ظل القتال الدائر، ما قد يشكل مخاطر صحية".

وأضافت قائلة: "ينبغي أن يحصلوا على المزيد من المساعدة. فالسفارات لا تتعاون بشكل كامل في هذه القضية والنظام الصحي لا يستطيع تقديم المساعدة لهم. وبالتالي فإن الدعم الذين يحصلون عليه الآن أقل من ذي قبل".

وأوضحت أنه منذ تجدد الاشتباكات، لم تتصل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بموظفي الهيئة الطبية الدولية للمساعدة في عمليات الفحص الصحي التي تجرى عقب عمليات الإنقاذ البحري: "نحن نفترض أن عدد السفن يزداد، بناء على الطلب الحالي".

وقالت استفانوس أن المهاجرين وطالبي اللجوء الذين لا يقدرون على دفع أموال للمهربين لركوب القوارب يصبحون عُرضة للعنف والاختطاف والاحتجاز: "لقد تحدثت تواً إلى لاجئ [إريتري] في طرابلس. وقال لي أن هناك الكثير من أعمال العنف ضد اللاجئين وأنهم يتعرضون للسرقة بشكل يومي. ويخشون في معظم الأوقات الخروج من مساكنهم لأن أي شخص يمكن أن يقوم باختطافهم واحتجازهم من أجل الحصول على فدية. كما أن الشرطة قد تلقي القبض عليهم في أي مكان".

وقال أحد اللاجئين لاستفانوس أن تكلفة إطلاق سراحهم من الاحتجاز هو 1,200 دولار، مشيراً إلى أن بعضهم يفضلون البقاء في مراكز الاحتجاز لأنهم "في السجن سوف يكونون على الأقل آمنين ولن يخشوا الجوع".

ks/cb-kab/dvh"