هل تقدم النيجر دروساً لمالي بشأن الطوارق؟

جلب الصراع الذي اندلع في مالي في بداية عام 2012 إلى السطح تاريخاً طويلاً من التمرد ومطالباً بالحكم الذاتي من قبل الطوارق. لكن يبدو أن الطوارق في النيجر المجاورة يتمتعون بعلاقات أكثر استقراراً مع حكومتهم، فهل تقدم تجربة النيجر دروساً لباماكو؟

يتميز تاريخ الطوارق بعد الاستعمار في كل من مالي والنيجر بسلسلة من الانتفاضات بسبب الإهمال والتهميش الذي تعرضوا له من قبل الحكومة المركزية، هذا بالإضافة إلى المظالم الناجمة عن الفشل في التنفيذ الكامل لاتفاقيات السلام.

فبعد ثلاث سنوات من استقلال مالي عن فرنسا في 1960، اطلق الطوارق حركة تمرد قام الجيش بسحقها، لكن تبع ذلك العديد من الانتفاضات في التسعينيات وفي 2006 و2008 و 2012 بالرغم من توقيع اتفاقية سلام عام 1992. وقد بدأت الأزمة الأخيرة في مالي مع انقلاب نفذته القوات الناقمة التي تلقي باللوم على الحكومة لفشلها في التعامل مع حركة التمرد الجديدة التي قام بها الطوارق.

وقد اهتزت النيجر على نحو مماثل من قبل الطوارق بفعل حركات التمرد في التسعينيات وفي عام 2007 وكانت البلاد قد وقعت أيضاً اتفاقية سلام مع الطوارق عام 1995.

وعلى الرغم من أن مطالب الطوارق المتمثلة بدمجهم سياسياً واجتماعياً وتحقيق التنمية الاقتصادية والمادية متشابهة إلى حد كبير في كل من مالي والنيجر، إلا أن الظروف الجغرافية والديمغرافية والسياسية مختلفة تماماً.

صممت للحفاظ على السلام

وقال أندرو ليبوفتش استشاري، الاستشاري والباحث في شؤون الساحل في مبادرة المجتمع المفتوح لغرب أفريقيا في داكار أن "الحكومة في النيجر تبذل مزيداً من الجهود كي تبدو على الأقل بأنها تميل إلى المصالحة. كما أن هناك المزيد من الجهود المركزة من قبل طوارق شمال النيجر لمحاولة التفاوض".

وقال محمد أج إيوانجاي، مدير الهيئة العليا لتعزيز السلام في النيجر، أنه على الرغم من أن اتفاقيات السلام ما زالت بعيدة عن حيز التنفيذ الكامل وأن الظروف التي أشعلت الصراع الماضي ما تزال موجودة، إلا أن الطوارق في النيجر مصممون على تحقيق السلام.

وأضاف إيوانجاي الذي أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه ينتمي إلى الطوارق أن "أسباب الثورة مازالت باقية وأن تطبيق اتفاقيات السلام بعيد عن النجاح".

وقال إيوانجاي أنه "إذا أردنا أن نخوض في التفاصيل بشأن موقف الحكومة...وإذا كنا سننخرط دائماً في تبادل الاتهامات، لن يكون هناك سلام. يجب التوقف عند مرحلة ما لإعطاء فرصة للسلام وإعادة البناء شيئاً فشيئاً لأنه مسعى طويل الأجل".

وبخلاف طوارق مالي المتمركزين في الشمال، ينتشر طوارق النيجر في جميع أنحاء البلاد وهو عامل ساعد على النزعة الوحدوية الصريحة.

وأضاف إيوانجاي أن "طوارق النيجر غير مقيدين في منطقة واحدة ولذلك لا يمكن أن يكون هناك مطالب انفصالية كما في مالي".

وقال ليبوفتش أن "ثقافة الطوارق متغلغلة بشكل كبير في المجتمع النيجيري. فالطوارق منتشرون في جميع أنحاء البلاد وهو شيء غير موجود في مالي. فكل النيجر مثل شمال مالي من حيث طريقة توزيع السكان".

وكان لحركات تمرد الطوارق في التسعينيات تأثيرات مختلفة جداً: فالتمرد في مالي حرض الطوارق ضد المجتمعات الأخرى وأدى إلى تعقيد جهود التوصل إلى السلام، في حين أدى النزاع في النيجر في نهاية المطاف إلى تقسيم الطوارق، طبقاً لما ذكره إيفان جوشوا، المحاضر في جامعة شرق أنجليا.

عدم تنفيذ اتفاقيات السلام

مع ذلك، تم تقويض الاستقرار الطويل الأمد بين الطوارق في كل من مالي والنيجر عن طريق التنفيذ الجزئي لاتفاقيات السلام وبسبب وجود الجماعات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة في المنطقة. (أدى وجود تلك الجماعات إلى تغيير السياسات الأمنية الحكومية والتعاملات مع حركات الطوارق التي اتهم بعضها بصلته بالقاعدة، كما أفاد المراقبون).

وقال جوشوا أن "اتفاقيات السلام كانت متشابهة جداً في كل من مالي والنيجر: تنمية اقتصادية وإصلاحات عسكرية واندماج وحكم لا مركزي. لكن الاتفاقيات لم تنجح بشكل جيد وشهدت البلاد استئنافاً للعنف في عام 2007 في النيجر وفي عام 2006 في مالي".

لكن كانت استجابة مالي والنيجر مختلفة بعد انتهاء حركات التمرد تلك. ففي شمال مالي تم إطلاق برنامج أمني في عام 2011 أطلق عليه اسم البرنامج الخاص للأمن والسلام والتنمية في شمال مالي. وكان البرنامج قائماً على فكرة أن الأمن سيحفز التنمية، لكنه أثار الغضب بسبب الكره للجيش في المنطقة.

وقال جوشوا "كان أداء باماكو أسوأ من النيجر لأنها اعتمدت بشكل صريح جدول أعمال أمني ونسيت التدابير التنموية لاتفاقية السلام لعام 1992".

من جهة أخرى، قام الرئيس النيجيري مامادو إيسوفو بتعيين أعضاء من مجتمع الطوارق مثل السياسي بريجي رافيني في مناصب حكومية رئيسية في محاولة لتهدئة المشاعر بالإهمال. وأضاف جوشوا: "كانت تلك استراتيجية قصيرة الأجل. أما الاستراتيجية الطويلة الأجل فكانت إحياء اتفاقية السلام الثلاثية المحاور".

وقال جوشوا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "في كلا البلدين لم يتم تنفيذ سياسات السلام بصورة كاملة بل وضعت تلك السياسات جانباً في مالي بسبب الأجندة الأمنية التي تجسدت في البرنامج الخاص للأمن والسلام والتنمية في شمال مالي. وفي حالة النيجر لم يكن هناك تغيرات هيكلية أيضاً بل كان هناك نوع من المنهج الذكي لحل الأزمة".

تغيير أسلوب الكفاح

ولدى زعماء الطوارق في مالي والنيجر أيضاً تأثيرات مختلفة جداً على دولهم المعنية. فبعد الموافقة على انهاء الأعمال العدائية في نهاية عام 2000 على سبيل المثال لم يقم قائد المتمردين الطوارق في مالي إبراهيم بهنجا بإلقاء السلاح. لكن زعماء الطوارق في النيجر قاموا بصورة أو بأخرى بقبول الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بوساطة الزعيم الليبي في ذلك الحين معمر القذافي والتي شملت نزع السلاح، طبقاً لما ذكره جوشوا.

وقال إيوانجاي مدير الهيئة العليا لتعزيز السلام في النيجر أن كفاح الطوارق النيجيريين استمر ولكن الوسيلة تغيرت.

وأضاف إيوانجاي أن "الكفاح المسلح كان مرحلة للاحتجاج ضد الوضع القائم. واتفاق السلام هو خطوة أخرى للبدء في عملية إعادة البناء الوطنية الجديدة. مازالت أسباب الانتفاضة موجودة لكن أسلوب الكفاح قد تغير".

ob/rz-hk/dvh