معضلة التمويل في ليبيا

 لم تحظ الاحتياجات الإنسانية المتبقية في ليبيا بالتمويل الكافي بسبب التضارب بشأن إمكانية توفر الأصول الليبية بعد إنهاء تجميدها، حسبما أفادت الجهات المانحة وعمال الإغاثة ومسئولون حكوميون.

ترددت الجهات المانحة في دفع المزيد من الأموال لعلمها بأن الحكومة الليبية يمكنها الحصول على ملايين الدولارات في شكل أموال غير مجمدة، ولكن الليبيين يقولون أن هذه الأموال لم تتدفق بعد، وبالتالي فإن الأنشطة التي تساعد على إنقاذ الحياة، مثل إزالة الألغام، لا تزال عالقة في منتصف الطريق.

وأشار جورج شاربنتييه منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة في اجتماع لرؤساء الوكالات عقد في طرابلس في شهر نوفمبر الماضي إلى أن "الأموال الليبية مازالت مجمدة وغير قابلة للاستخدام. والجهات المانحة لا ترغب في تقديم المزيد من الأموال. فهل سننتظر ثلاثة أشهر حتى يتم التعامل مع حالات الطوارئ الحالية؟"

وفي مقابلة منفصلة، قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "النتيجة هي تعرض أطفال لنسف أذرعهم بسبب التقاطهم لذخائر غير منفجرة في سرت وبني وليد ومناطق أخرى بسبب عدم قدرتنا على التوسع في تلك العمليات".

وتقول الأمم المتحدة أنها لاتزال بحاجة إلى حوالي 60 مليون دولار لمواجهة الاحتياجات الشديدة المستهدفة خلال الفترة المتبقية من العام الجاري، بما في ذلك عمليات إزالة الألغام في المدن التي يعود إليها سكانها النازحين، وإعادة توطين المهاجرين المعرضين للخطر، ومساعدة الفئات الضعيفة من الليبيين النازحين مثل أقلية تاويرغا، ومساعدة النازحين والعائدين إلى مدينة سرت التي شهدت بعض أعنف معارك القتال.

وقد ناشدت وكالات الإغاثة الجهات المانحة لتقديم 334 مليون دولار منذ شهر مارس، عندما تحولت الانتفاضة الشعبية للإطاحة بالزعيم معمر القذافي إلى حرب أهلية، ولكن تمت المساهمة أو الالتزام بتقديم 82 بالمائة فقط من قيمة هذا النداء.

ولكن الجهات المانحة التقليدية، وهي إدارة الإغاثة الإنسانية بالمفوضية الأوروبية (ECHO)، ووكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID)، ووزارة التنمية الدولية البريطانية، امتنعت عن دفع الـ 18 بالمائة المتبقية قائلة أنه يجب على الجهات المانحة الأخرى سد العجز.

وقالت إحدى الجهات المانحة التقليدية "نحن مجهدون قليلاً" واصفة تمويل هذه العمليات بأنه "مغامرة" معقدة وغير معتادة، وهو ماترك العديد من الجهات المانحة في حيرة متسائلة متى سيمكن الحصول على الأصول الليبية بعد رفع تجميدها.

ومن جهته أفاد برونو روتيفال مدير مكتب المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية في ليبيا في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية أنه "من الصعوبة بمكان بالنسبة لنا أن نقرر دعم أنشطة الطوارئ الإنسانية، في حين أن هناك الكثير من الأموال التي تنتظر فقط تخصيصها للعمليات الإنسانية، ولا يتم تخصيصها لأسباب سياسية".

الأصول المنتهي تجميدها

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية أغسطس أنها ستفرج عن 1.5 مليار دولار من الأصول التي كانت مملوكة للقذافي والمجمدة بموجب العقوبات وذلك لمنحها للمجلس الوطني الانتقالي الليبي. وتم تخصيص 500 مليون دولار من هذا المبلغ لأغراض الإغاثة الإنسانية، وبلغت قيمة الدفعة الأولى 100 مليون دولار.

وتعمل الجهات المانحة بموجب هذه الفرضية، كما قامت الوكالات بتخطيط برامجها طبقاً لذلك، ولكن الأموال لم تصل قط.

وذكرت سارة مارشال نائب مدير البرامج الخاصة بليبيا أن دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، على سبيل المثال، قد تلقت وعوداً بالحصول على مبلغ 21.6 مليون دولار لتطهير الذخائر غير المنفجرة والألغام ومستودعات الأسلحة غير المؤمنة.

ولكن بدلاً من ذلك تم إجبار دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام على الاقتراض من صندوق الأمم المتحدة المركزي للاستجابة للطوارئ من أجل الاستمرار في تنفيذ عملياتها. وأُجبرت الدائرة، التي تستطيع بالكاد دفع رواتب موظفيها، على الاختيار بين تطهير المناطق السكنية في إحدى المدن الملوثة وبين مدينة أخرى بسبب عدم تمكنها من تحمل نفقات تطهير كلتا المدينتين.

وقالت الدائرة أن عملية إزالة الألغام تتطلب 25.6 مليون دولار خلال الستة أشهر القادمة. وأشارت مارشال إلى أن دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام ستوقف عملياتها بحلول فبراير إذا لم يتم تخصيص المزيد من التمويل لتلك العمليات.

وأضافت مارشال في تصريح لإيرين أن "الجهات المانحة تقيم هذا الوضع على أنه مشكلة ليبية يجب أن يقوم الليبيون بدفع الأموال من أجل مواجهتها، ولكن كلما طالت فترة بقاء تلك المخلفات الخطرة وكلما تعرضت لمزيد من النهب وكلما أصبحت غير مستقرة بمرور الوقت ستزيد الحوادث. وإذا لم نتصرف بسرعة في تلك المدن، سيموت المزيد من الناس".

هل الأموال متاحة؟


هناك تفسيرات متعارضة بشأن السبب في عدم وصول الأموال. يقول البعض أن الحكومة الليبية ببساطة ليست لديها القدرة على سرعة صرف الأموال التي تحصل عليها.

وقال إيمانويل جيغناك رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا في تصريح لإيرين أنه "لا يوجد هيكل يمكنك من إدارة المفتاح وبدء التشغيل مرة أخرى".

ويقول آخرون أن المجلس الوطني الانتقالي ليس مستعداً لاتخاذ قرارات بشأن التمويل إلى أن يتم تكوين حكومة جديدة.

وقال برونو روتيفال مدير المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية في ليبيا: "كانت هذه مشكلة سياسية للحكومة الليبية. ولم يرغب أحد في اتخاذ قرار بتخصيص مبالغ كبيرة بدون أن يكون لديهم التفويض المناسب".

ولكن الحكومة تقول أنها لم تتسلم الكثير من الأموال.

قال عبد الحافظ خوجة نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي في مؤتمر صحفي في نوفمبر الماضي: "لقد تم الإعلان عن الأموال التي تتدفق إلى ليبيا والأصول التي رُفع تجميدها، ولكننا للأسف لم نتسلم تلك الأموال".

وأضاف أن الحكومة الليبية "على دراية جيدة" بأن الإغاثة الإنسانية الدولية لن تستمر إلى الأبد.

وقال أيضاً "عندما نكون قادرين على الحصول على الأصول المجمدة وعلى مواردنا سنكون قادرين على الاهتمام بتلك الأمور بمفردنا".

ارتباك

تلقت هيئة الإغاثة الإنسانية الليبية (ليب إيد) 10 مليون دولار فقط من المجلس الوطني الانتقالي منذ بدء النزاع، طبقاً لما ذكره رئيس الهيئة خالد بن علي، الذي أكد أن نقص التمويل يمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه الهيئة.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال بن علي "إذا طلبت 20 مليون دولار عادة ما أحصل على 3 ملايين وتصل متأخرة قليلاً. منذ عدة أيام فقط، طلبت منهم المزيد من التمويل لحالات الطوارئ وقالوا صدقنا ليس لدينا الكثير الذي نقدمه".

ولكن بعض عمال الإغاثة متشككون. وكما قال مسئول كبير في الأمم المتحدة "السؤال هو: هل قررت الحكومة تمويل أو عدم تمويل الأنشطة الإنسانية؟"

وأضاف المسئول أن "الليبيين لديهم امكانية الحصول على الأصول المجمدة. لقد قاموا بدفع الرواتب وإرسال الناس إلى الحج. ولو أرادوا يمكنهم تمويل تلك الاحتياجات التي لم تلبى. إنها مسألة أولويات. إن 20 مليون دولار لإزالة الألغام مبلغ تافه. كم يساوي هذا المبلغ بالنسبة للإنتاج اليومي للبترول؟"

قدمت وكالات الإغاثة في سبتمبر خططها لمازن رمضان مدير آلية التمويل المؤقت التي تم إنشائها لتلبية متطلبات الحصول على الأموال المجمدة، ولكنه لم يوافق على العديد من المقترحات.

وقال رمضان في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية "بعض تلك المقترحات كان غير هام وكان هناك الكثير من الإسراف".

وعند سؤاله عما إذا كان تمويل العمل الإنساني من أولويات الحكومة، أجاب "إننا لا نعاني من الأزمة التي كان يتوقعها الجميع". ولكنه أضاف أن بعض الاحتياجات كانت مشروعة بشكل واضح. وأكد أن مبلغ 21.6 مليون دولار الذي تم تخصيصه لقطاع إزالة الألغام كان أكثر من المطلوب، ولكنه ضغط على الحكومة من أجل الموافقة على تخصيصه.

ولكن على عكس الاعتقاد الشائع، لم يتم تحويل جميع الأموال التي أعطيت للمجلس الانتقالي الوطني من خلال آلية التمويل المؤقت وخاصة بعد سقوط طرابلس. قال رمضان أن هناك حوالي 2.5 مليار دولار لا تزال موجودة في البنك المركزي وأن عائدات النفط يتم تحويلها من خلال قنوات أخرى.

لم يكن لدى آلية التمويل المؤقت إمكانية الحصول على الأموال سواء المرفوع تجميدها أو التي قامت كندا والولايات المتحدة وألمانيا وقطر والبحرين والكويت بإقراضها أو المساهمة بها. لقد أنفقت حوالي 1.662 مليار دولار على الوقود وعلاج المقاتلين الجرحى بالخارج والإغاثة للعائلات الموجودة في الجبل الغربي ونفقات المكتب، والأهم من ذلك كله الرواتب. ولا يزال هناك أكثر من 530 مليون دولار في حساب آلية التمويل المؤقت، طبقاً لما ذكره موقعها على شبكة الإنترنت، على الرغم من أن تلك الأموال قد جرى تحويلها الآن إلى الحكومة الجديدة.

وأضاف رمضان أن مبلغ الـ 500 مليون دولار المخصص لوكالات الإغاثة الدولية لم يكن تحت تصرف آلية التمويل المؤقت، وأن هذا المبلغ موجود الآن في الاحتياطي الفدرالي بوزارة الخزانة الأمريكية وينتظر التوقيع بشكل أساسي.

وبينما كان رمضان في طريقه إلى اجتماع مع وزير المالية الجديد في الرابع من ديسمبر لتسليمه ملفات التمويل، ألقى رمضان باللوم في التأخير على تشكيل الحكومة الجديدة التي ينبغي الحصول على موافقتها على تخصيص الأموال.

وقال رمضان "أنا لا أتخذ القرارات. وليس من سلطتي القيام بذلك. وأنا متفهم للإحباط الذي تعاني منه المنظمات غير الحكومية، ولكن التأخير يرجع إلى الارتباك بسبب تشكيل الحكومة الجديدة، وليس بسبب أي نية من شخص ما لتوريطهم".

دفعة متجددة

''إن 20 مليون دولار لإزالة الألغام مبلغ تافه. كم يساوي هذا المبلغ بالنسبة للإنتاج اليومي للبترول؟''

وبغض النظر عن الأسباب، فقد أجبر الواقع جورج شاربنتييه منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة على الضغط على الجهات المانحة من أجل الاستمرار في المشاركة، ويبدو أن بعض جهوده قد أتت ثمارها.

فقد قرر المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية مؤخراً تقديم منحة لعمليات إزالة الألغام تبلغ 500,000 دولار قائلاً "لا يمكننا انتظار أن تتوصل الحكومة إلى قرار". ويقوم المكتب بدراسة تقديم المزيد من التمويل لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين من أجل التعامل مع الحالات الحساسة للنازحين الموالين للقذافي.

كما منحت وكالة التعاون التنموي الإيطالية مبلغ 1.1 مليون يورو (1.5 مليون دولار) لدائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام.

ولكن بعض المصادر ذكرت أن وزارة التنمية الدولية البريطانية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد قررتا بالفعل إيقاف تمويل العمليات الإنسانية في ليبيا. فقد تعرضت كلتا الوكالتين لضغوط من مقريهما الرئيسيين لخفض التمويل نظراً للركود العالمي وحالات الطوارئ المنافسة في منطقة القرن الأفريقي.

ولكن بعد كل هذا الجدل الدائر حتى في مجتمع الإغاثة الدولي، تساور البعض شكوك حيال الحاجة إلى المزيد من التمويل.

فقد قال مسئول في الأمم المتحدة "نحن جميعاً مازلنا هنا والبرامج مستمرة. فمن أين تأتي تلك الأموال؟ هل يمكن للمنظمات الدولية استيعاب وإنفاق 60 مليون دولار في 4 أسابيع؟ على الأرجح لا".

إنهم يقولون أن خطة العمل الإنساني المشترك مبنية على تصور أن الاحتياجات كانت أكبر مما كانت عليه بالفعل وعلى عدم الثقة في قدرة الليبيين على التعافي. ويقولون أيضاً أن الأموال التي تم تلقيها بالفعل سيتم إنفاقها على الأرجح بشكل جيد في عام 2012.


ha/mw-hhk/ais