تحليل: شبح الحرب الأهلية يخيم على سوريا

هبة علي
مدير تحرير إيرين

 على السوريين إيجاد حل سريع للتوتر المتصاعد بين المتظاهرين والقوات الحكومية لتفادي انزلاق البلد نحو حرب أهلية من شأنها أن تؤدي إلى معاناة إنسانية واسعة النطاق، حسب مسؤول أممي رفيع المستوى.

حيث قال إسماعيل ولد الشيخ أحمد، منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في سوريا: "لم ندخل في حرب أهلية بعد، ولكننا بالتأكيد متجهين نحوها ما لم يتم القيام بما يلزم لتهدئة الأوضاع ....لم أكن لأصف الوضع هكذا في شهر مارس، أما اليوم فهناك احتمال كبير لحصول ذلك".

وكان المحتجون السوريون قد تعرضوا، في خضم موجة الاحتجاجات المطالبة بمزيد من الحريات السياسية التي اجتاحت العالم العربي، إلى حملة أمنية عنيفة من قبل الجيش السوري والأجهزة الأمنية. وهو ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 2,700 شخص على يد الجيش السوري وقوات الأمن، حسب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أو حوالي 5,300 شخص حسب نشطاء وجماعات حقوق الإنسان، أو نحو 700 قتيل حسب قناة الجزيرة. ووفقاً للحكومة، ينتمي العديد من الضحايا إلى قوات الأمن.

وجاء في تعليق ولد الشيخ أحمد عن الوضع في البلاد قوله: "نحن في مأزق... إن الوضع صعب للغاية. فإذا استمر الحال على ما هو عليه، فسنصل حتماً إلى طريق مسدود"، مشيراً إلى "الاستخدام المفرط للقوة" من جانب الحكومة، ورفض بعض عناصر المعارضة للتفاوض، وتزايد العنف في أماكن مثل حمص.

وأضاف أنه بالرغم من عدم وجود أزمة إنسانية في سوريا حتى الآن، إلا أن هناك "بعض مناطق الاحتياجات"، ولا سيما بين المجموعات التي كانت أصلاً معرضة للمخاطر قبل بداية الأزمة الحالية بما فيها المزارعين الذين عانوا من الجفاف منذ عام 2007، واللاجئين الفلسطينيين الذين يعيش 60,000 منهم تحت خط الفقر.

وأوضح أنه "حتى وإن كان الأمر لا يتعلق حاليا بأزمة إنسانية كبرى، إلا أننا نتوقع أن تتفاقم الأوضاع في الأسابيع المقبلة".

النزوح

تسبب النزاع في نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص داخلياً - ولو لفترات قصيرة. حيث يقوم السكان عندما يشعرون بقرب تنفيذ عملية عسكرية في منطقتهم بحزم أمتعتهم ومغادرة ديارهم لبضعة أيام إلى أن يعود الهدوء فيعودون.

وفي هذا السياق، أفاد ولد الشيخ أحمد أن "هؤلاء الناس لا يستقرون في مخيمات أو مناطق مفتوحة حيث يمكنك أن تراهم وتحدد عددهم وتقدم لهم الدعم والمساعدة ...بل يقيمون لدى الأقارب ويصبح من الصعب رصد أعدادهم"، وهو ما يثقل كاهل المجتمعات المضيفة لهم.

وأضاف أنه في منطقتي إدلب وجسر الشغور، اضطر حوالي 50,000 شخص إلى مغادرة ديارهم والعبور إلى تركيا، حيث عسكروا في المناطق الجبلية أو أقاموا مع عائلاتهم في أماكن أخرى. ولكن العديد منهم عادوا الآن إلى ديارهم.

ووفقاً للحكومة التركية، عبر 18,439 سورياً الحدود إلى مخيمات في محافظة هتاي التركية منذ بدء الانتفاضة. وبعد العديد من عمليات العودة الطوعية، انخفض هذا العدد الآن إلى 7,553 شخصاً، على الرغم من أنه يرتفع وينخفض وفقاً للعمليات العسكرية التي يتم تنفيذها في المنطقة. كما فر 522 سورياً آخرين إلى الأردن منذ شهر مارس.

من جهتها، أعلنت الحكومة اللبنانية أن أكثر من 6,500 مواطن سوري هربوا إلى قرى في شمال لبنان، ثم عاد العديد منهم بعد ذلك ولم يتبق منهم الآن سوى 3,580 مواطناً سورياً، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت. وكانت هذه الأخيرة قد أعلنت في تحديثها للفترة ما بين مايو ويوليو أن بعض النازحين أصيبوا بجروح عند وصولهم وذكروا أنهم تعرضوا لإطلاق نار أثناء محاولة الفرار من سوريا.

وحسب المفوضية، تستضيف المجتمعات المحلية في لبنان معظم النازحين السوريين "ولكن الضغط الذي يشكله ذلك على المجتمع المحلي كبير ولا يمكن أن يستمر على ما هو عليه دون الحصول على الدعم المناسب من المجتمع الدولي".

الحصول على الرعاية الصحية

كما ينطوي الوضع أيضا على العديد من المشاكل الأخرى، حيث تشهد فترات تنفيذ العمليات العسكرية انقطاعات في المياه والكهرباء والاتصالات لعدة أيام، كما ينفذ مخزون الدقيق في المحلات التجارية، بالإضافة إلى ما أعلنت عنه الأمم المتحدة من قيام الجيش بالاستيلاء على بعض المدارس، واستخدامها كثكنات عسكرية.


ويتحدث الناشطون أيضاً عن انعدام فرص الحصول على الرعاية الصحية، حيث "لا يتمكن الثوار من إيصال جرحاهم إلى المستشفيات بسبب قيام الأجهزة الأمنية بإخراجهم من هذه المستشفيات والزج بهم في السجون"، حسب عمر الإدلبي، الناشط السوري الذي فر إلى لبنان.

وقد قامت منظمة هيومان رايتس ووتش بتوثيق حالة واحدة من هذا القبيل قبل أسبوعين عندما قالت أن قوات الأمن قامت بغصب 18 مصاباً على مغادرة المستشفى في مدينة حمص.

ووفقاً لمصعب العزاوي، المسؤول في المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقراً له، تم القبض على 69 طبيباً لمحاولتهم علاج المصابين سواء في العيادات أو المستشفيات الخاصة أو في الشوارع. وأضاف الادلبي أن ذلك أدى إلى إنشاء البعض لمجموعة من المستشفيات الصغيرة المؤقتة في منازلهم سراً. وأضح أن "العديد من الضحايا لقوا مصرعهم لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مستشفى".

وفي السياق نفسه، تعرض متطوعون طبيون تابعون للجنة الدولية للصليب الأحمر لهجوم أكثر من مرة منذ بدء الانتفاضة، وتوفي أحد المتطوعين في 15 سبتمبر بعد أن تعرضت سيارة الإسعاف التي كان يركبها لاطلاق نار كثيف خلال عملية إجلاء شخص مصاب إلى مستشفى في مدينة حمص، وهو الحادث الذي نددت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر باعتباره حادث "مرفوض تماما".

كما أفادت هيومن رايتس ووتش أن قوات الأمن قامت أيضا بمنع الطواقم الطبية السورية من الوصول إلى الجرحى في بعض الأحيان.

سبل العيش

أثر الوضع القائم على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فقد أضرت العقوبات المفروضة من طرف الولايات المتحدة وأوروبا على المعاملات المصرفية، وامتد أثر ذلك إلى المواطن في الشارع الآن،. كما توقفت المؤسسات المصرفية الدولية عن قبول دفعات التجار السوريين بالدولار.

وانعكس الوضع أيضا على الحركة السياحية بشدة، كما تسبب في انخفاض إنتاج النفط، الذي يعد أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية، وأدى إلى تعليق العديد من المشاريع الاستثمارية.

ورغم اتخاذ الحكومة لعدة تدابير اقتصادية في محاولة للتخفيف من أثر الأزمة - كخفض أسعار الوقود وزيادة رواتب موظفي الحكومة، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتقديم وعود بتوفير المزيد من فرص العمل، وخفض ضريبة الدخل وخفض الضرائب المفروضة على بعض المواد الغذائية وإعطاء مساعدات نقدية للأسر الفقيرة ، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان لهذه التدابير أي أثر يذكر.

كما اضطر الآلاف من مزارعي الكفاف الريفيين الذين كانوا يعملون في مدن مثل درعا إلى العودة إلى ديارهم بسبب انعدام الأمن تاركين وظائفهم وراءهم. ولم يتمكن البعض الآخر منهم من جني محاصيلهم بسبب الاضطرابات الاجتماعية وصعوبة الحصول على علف للمواشي وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وحسب ولد الشيخ أحمد، "رأينا في المعضمية مظاهرة لنساء يشتكين من مقتل أو سجن معظم الرجال الذين يعولون الأسر هناك. وفي حين لا يمكننا تأكيد أو نفي ذلك، إلا أنه من المؤكد أن حماية المدنيين لا تزال تشكل القضية الأكثر إلحاحاً في السياق السوري في الوقت الحاضر".

وكان المتظاهرون قد طالبوا بإرسال مراقبين دوليين للمساعدة في حماية المدنيين، ولكن الغالبية تعارض حتى الآن أي تدخل عسكري أجنبي، الذي قد يشكل خطوة "كارثية دون شك"، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية التي تتخذ من بروكسل مقراً لها.

عسكرة الثورة؟

يقول النشطاء أنهم يكافحون من أجل الحفاظ على الطابع السلمي لمظاهراتهم، حيث أصدرت لجان التنسيق المحلية السورية المكونة من ناشطين شباب، بياناً في شهر أغسطس تحث فيه السوريين على عدم استخدام الأسلحة. وجاء في بيان لجان التنسيق المحلية: "رغم أننا نفهم الدافع لحمل السلاح أو الدعوة إلى التدخل العسكري، إلا أننا نرفض هذا الموقف على وجه التحديد لأننا نجده غير مقبول سياسياً ووطنياً وأخلاقياً. إن عسكرة الثورة من شأنها تقليل الدعم الشعبي وإضعاف المشاركة في الثورة".

ولكن بعد أن أطاح المتمردون المسلحون بالزعيم معمر القذافي في ليبيا، أصبح العديد من السوريين يفكرون، بل ويطالبون بتبني هذا الخيار. حيث قال الملازم أول محمد عبد العزيز طلاس، من كتيبة القوات الخاصة الخامسة الذي فر من الجيش للانضمام إلى المعارضة، لقناة الجزيرة: "لقد حان الوقت لتسليح الثورة، خصوصاً بعد ما حدث في ليبيا. ستة أشهر من دون نتائج، وأعداد من القتلى... ". وهو ما يؤيده فيه زعيم آخر بارز في المعارضة في إحدى ضواحي دمشق يرى أنه "في النهاية لا سبيل للتحرر بدون أسلحة".

ويقول محللون أن هناك بالفعل عناصر مسلحة كثيرة في المعارضة. حيث أوضح عامل إغاثة في دمشق لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المكون الرئيسي لحركة الاحتجاج هو بالطبع المواطنون الباحثون عن الحرية والديمقراطية، ولكن ضمن هذه المظلة الكبيرة من القوى، هناك أشخاص على استعداد للانخراط في العمل العسكري الآن، وقد نفذوا ذلك بالفعل، مشيراً أن الأمر يتعلق "بمزيج من جميع أنواع البشر" بما فيهم عصابات التهريب، و "إارهابيون" تابعون لجماعات دينية من الخارج، وأناس يرغبون في الثأر من الجيش وقوات الأمن.

وأضاف: "نحن لا نتحدث عن ملائكة وشياطين....هناك صعوبة كبيرة على الجانبين وكلاهما يحاول السيطرة على الموقف".


الصورة: سوريان 2011/فليكر
اجتذبت المظاهرات حشودا كبيرة من المشاركين مثل هذه المظاهرة في ساحة العاصي بحماة

وحسب بعض النشطاء، فإن الجنود الذين لقوا حتفهم قُتلوا على أيدي قوات الأمن لأنهم رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين - وليس على يد عصابات مسلحة، كما تزعم الحكومة.

وحسب جوبان غودارزي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ويبستر في جنيف، فإن الجنود المنشقين جلبوا معهم أعداداً محدودة جداً من الأسلحة، ولكن "هناك الكثير من الأسلحة في سوريا. فالناس يملكون أسلحة في منازلهم، وبعضهم لجأ إليها خلال الاشتباكات مع الحكومة...قد يكون بعض ذلك عفوياً، ولكن للنظام أعداء في الداخل والخارج على حد سواء. ولا أستغرب أن يكون بعض خصومه – سواء في لبنان أو إسرائيل أو الولايات المتحدة - يحاولون الاستفادة من الوضع الحالي". وأشار إلى أن إيران تقوم في المقابل بـ "كل ما بوسعها" للمساعدة في دعم حكومة الرئيس بشار الأسد بما في ذلك توفير معدات مكافحة الشغب والمشورة حول كيفية مراقبة الأنشطة على الانترنت.

ووفقاً لخير الدين حسيب، رئيس اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، تأتي أجزاء من المعارضة المسلحة من لبنان وتركيا، حيث أن "هناك دول خارجية ترغب في إثارة المشاكل للنظام السوري".

التوترات الطائفية

على الصعيد الداخلي، تزيد التوترات الطائفية المتصاعدة أيضاً من خطر الحرب الأهلية، إذ ينتمي الرئيس الأسد وغالبية الأجهزة الأمنية التي تشن حملة القمع إلى الأقلية العلوية في حين ينتمي معظم السكان (والمتظاهرين) إلى الأغلبية السنية.

من جهته، أفاد تيمور غوكسيل، الذي كان كبير مستشاري قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) لسنوات عديدة، قبل أن ينضم إلى الجامعة الأميركية في بيروت كمحاضر في قضايا الصراع في الشرق الأوسط، أن "هذا يعد بالفعل احتمالاً مخيفاً"، مشيراً إلى أنه حتى العلويين الذين لم يكونوا من قبل من أنصار الرئيس الأسد أصبحوا الآن أكثر دعماً للحكومة، وذلك لاعتقادهم بأنه "إذا تولى السنة شؤون الحكم في البلاد، فسوف يبيدوننا جميعاً. إنهم يروون في ذلك تهديداً لوجود مجتمعهم".

وعلى الرغم من الزخم المتزايد، إلا أن المحتجين يقولون إنهم يدركون جيداً أن المخاطر عالية جداً ، وقد تكون أعلى مما هي عليه في بلدان أخرى مثل ليبيا، التي كانت غارقة في صراع طوال الأشهر الأخيرة - بسبب موقع سوريا الاستراتيجي في المنطقة. وهو ما علق عليه الناشط الحقوقي العزاوي بقوله: "إذا اندلعت حرب أهلية، فسوف تحرق المنطقة بأكملها".


ha/eo/cb-ais/amz