الصحة: الخبراء يتعهدون بالقضاء على الأمراض "المهملة"

 ستتصدر عشرة أمراض- غير معروفة جيدا ولكنها تتسبب في الكثير من المشاكل الصحية- أولويات جدول أعمال شركات الأدوية الرائدة في العالم، ووزراء الصحة، والحكومات المانحة بعد أن تعهدوا بتقديم الدعم لمبادرة منظمة الصحة العالمية للقضاء على الأمراض "المهملة" ومن بينها داء التنينات (الدودة الغينية)، وداء كلابية الذنب (العمى النهري)، والتراخوما المسبّبة للعمى، والجذام، والبلهارسيا والديدان المعوية .

وفي هذا السياق، قالت كارولين أنستي، العضو المنتدب للبنك الدولي، للوفود المشاركة في الاجتماع الذي عقد في لندن "نحن لا نتحدث حقيقة عن الأمراض المهملة وإنما نتحدث عن أناس مهملين. وأعتقد أن هذا أمر أساسي يتعلق بمسألة ما إذا كنا نقدره هؤلاء الناس أم لا وإلى أي مدى."

وقد تعهد المشاركون في 30 يناير بدعم برنامج منظمة الصحة العالمية لمكافحة واستئصال تلك الأمراض بحلول عام 2020 حيث قدموا وعوداً بإجراء المزيد من الأبحاث وتقديم المزيد من العقاقير المجانية.

و بدورها تعهدت الحكومات المانحة وعدد من الفاعلين في المجال الخيري، ومن بينهم بيل غيتس، بدعم عمليات توزيع العقاقير وتعزيز النظم الصحية للبلدان المتضررة لتشغيل برامج مكافحة واستئصال هذه الأمراض. وحضر الاجتماع وزراء الصحة لكل من موزنبيق، وبنجلاديش، والبرازيل.

ويعتبر العمل على مكافحة تلك الأمراض أمراً محبطاً لأنها ليست أمراض غير قابلة للشفاء. فالعقاقير اللازمة لعلاجها موجودة ولكنها إما باهظة الثمن أو محدودة الكمية أو متوفرة في شكل يصعب استخدامه. لذا كان المفتاح الرئيسي لهذه المبادرة هو قيام المنظمين، وخاصة بيل غيتس، بإشراك شركات الأدوية فيها.

وفي هذا السياق، قال غيتس أن "موردي الأدوية على استعداد للمشاركة بسخاء، لكنهم بحاجة لمعرفة أن هناك خارطة طريق مصممة من طرف منظمة الصحة العالمية. إنهم بحاجة إلى معرفة أن هناك تمويلاً لتقديم الدواء يأتي من قبل بعض الجهات مثل وزارة التنمية الدولية البريطانية، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. كما أنهم بحاجة للتأكد من أن الدول المعنية ستقوم بتنسيق نظمها الصحية للتأكد من أن جميع الأدوية تصل بالفعل إلى المحتاجين إليهاا". وقد تعهدت مؤسسة بيل وميليندا غيتس بتقديم 340 مليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة بحيث يتم تخصيص جزء من هذا المبلغ لتمويل الأبحاث في مجال التوصل إلى علاج أفضل والجزء الآخر لتمويل برامج توزيع العقاقير.

ولقد نجح غيتس في إقناع الشركات بالقيام بما لم يكن ليخطر على بالهم أبداً في الأحوال العادية مثل منح منتجاتهم بدون مقابل. وقد قام هارو نايتو، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة إساي اليابانية، التي تقوم بإنتاج العقاقير المستخدمة في علاج مرض الفيلاريا الليمفاوية المعروف باسم داء الفيل، بالتعليق على الموضوع بقوله: "إن شركتنا ستقوم بإنفاق نحو 35 مليون دولار لتمويل هذا المشروع. فكيف يمكن لنا إقناع مساهمينا؟ حسناً، نقول لهم أن ذلك سيكون استثماراً طويل الأجل للناس، والمجتمعات، واقتصاديات الدول النامية من أجل النهوض بها حتى تصبح من البلدان متوسطة الدخل في المستقبل".

وشكلت البحوث المشتركة القضية الأكثر تحدياً. حيث قال كريستفور فيباكير، مدير شركة سانوفي، التي تجري أبحاث حول إيجاد عقاقير أكثر تطوراً لعلاج مرض النوم: "نحن شركات متنافسة. وليس من السهل علينا أن نعمل معاً تجارياً. وأنتم الآن تتحدثون حول البحوث والتنمية حيث تكمن فيهما حقيقة الأسرار الأساسية للشركات. إن تبادل معلومات مركباتنا الكيميائية أمر في غاية الصعوبة. ولكننا استطعنا بسبب الحاجة الملحة فقط أن نعمل سويا، وتلك هي النقطة التي لعب بيل غيتس دوراً حاسماً في تحفيزها.

أصوات المعارضة

في المقابل، كانت هناك تحذيرات من أن توفير العقاقير المجانية والمناسبة بكميات غير محدودة لن يكون كافيا في حد ذاته. حيث قال دانيال بيرمان، من منظمة أطباء بلا حدود أنه بينما كانت منظمته مسرورة من حصول هذه الأمراض المهملة أخيرا على مزيد من الاهتمام إلا "إننا قلقون من احتمال التغاضي عن التحديات التي تطرحها بعض هذه الأمراض".

واستشهدت منظمة أطباء بلا حدود بمثال مرض النوم الذي تم القضاء عليه بالفعل في بداية الستينات ولكنه عاد بشدة في التسعينات حيث لم تكن جهود القضاء عليه مستدامة. وكان القضاء على المرض يحتاج إلى مزيد من التركيز على دعم برامج الوقاية والعلاج والقدرة على مراقبته في البلدان المتضررة.

وفي خطاب إلى مجلة اللانسيت الطبية في لندن، أثار اثنان من الأكاديميين، وهما تيم ألين من كلية لندن للاقتصاد وميلسا باركر من جامعة برونيل، قضية أخرى تتمثل في المشكلات العملية المرتبطة بالعلاج الجماعي. إذ أن مكافحة العديد من تلك الأمراض أو القضاء عليها يتطلب معالجة قرى بأكملها وتقديم العلاج- حتى لغير المصابين- مرات عديدة في بعض الأحيان من أجل استئصال بؤر العدوى. وقد وجدا أن الناس في تنزانيا حيث تم تقديم هذا النوع من البرامج كانوا غالبا من متشككين وعدائيين.

"وبعد تنظيم عدة جولات لتقديم العلاج الجماعي لمرض الفيلاريا اللمفاوية (الفيل)، لم تكن الغالبية العظمي من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم على دراية بالعلاقة بين المرض والبعوض. وفي أحسن الأحوال كان هناك فهم محدود للغاية لأسباب العلاج الجماعي. فقد استفسر المستهدفون عن أسباب اضطرار الأشخاص الذين لم تظهر عليهم أية أعراض واضحة للمرض لتناول أقراص العلاج..... ولم يكن من الغريب أن تنتشر الشائعات حول الغرض الحقيقي من تناول هذا الدواء". وقد تعرض بعض المشاركين في إدارة البرنامج للمطاردة والضرب واستلزم الأمر إنقاذهم بواسطة الشرطة.

وتوصل الباحثون في النهاية إلى أن "تقديم العقاقير المجانية والمدعومة يخلق فرصة سانحة لإحداث فرق هائل، ولكن توفير العلاج ذاته ليس كافيا في حد ذاته".

eb/mw-hk/amz