لماذا لا تستطيع ميانمار إزالة الألغام الأرضية؟

بدأ صباح اليوم الذي تغير فيه كل شيء في حياة ثلاثة أبناء عمومه في هذا المجتمع الهادئ الذي يقع قرب حدود ميانمار مع الصين مثل كل الأيام الأخرى تقريباً. كان الأطفال يسيرون على طريق ترابية في شمس الصباح المشرقة، يدردشون وهم يمضون، عندما خرق انفجار ضخم ذلك الهدوء.

وعندما انقشع الغبار، كان الدم يغطي الأطفال الثلاثة، وكانوا يتلوون من الألم على الأرض، وأصبحوا بذلك أحدث ضحايا الألغام الأرضية التي تتناثر في المناطق الحدودية التي مزقتها الحرب في ميانمار.

وقال لو دونغ، عم أحدهم: لقد فقد اثنان من الأطفال الثلاثة وعيهم، فيما ظل الوحيد الذي بقي واعياً يقول أنه لا يستطيع التنفس...اعتقدنا أن الأطفال لن يبقوا على قيد الحياة".

نجا الأطفال من الانفجار الذي وقع في شهر أكتوبر، ولكنهم مازالوا يتعافون من إصابات خطيرة.

أصيب لو بن زينغ، ذو 10 أعوام، بجروح في ساقيه واضطر الأطباء إلى عمل غرز في الجزء العلوي من جسده وأصيب لو بن شينغ، ذو 10 أعوام أيضاً، بجروح في ركبته اليمنى وفقد الآن البصر في إحدى عينيه. أما لو تشيان شاو، ذات 12 عاماً، فأصيبت بثقب بحجم قبضة اليد في الساق اليمنى وحروق في جميع أنحاء جسدها. ولا تزال شاو تخضع للعلاج في المستشفى، وبعد شهرين من الحادث كان الأطباء ما زالوا يخرجون شظايا من الألغام الأرضية من جسدها.

وهؤلاء الأطفال هم من بين آلاف الأشخاص في ميانمار الذين يلقون حتفهم أو يصابون بجروح جراء الألغام الأرضية التي زرعت من قبل الجماعات المسلحة العسكرية أو العرقية خلال عقود صراع.

وعلى الرغم من اتساع نطاق المشكلة، إلا أنه ليست هناك أية محاولة على الإطلاق لتخليص البلاد منها. وقد تعثرت جهود إزالة الألغام في ميانمار حتى الآن بسبب النزاع الجاري، إضافة إلى الأنظمة العسكرية غير المتعاونة.

ولكن ثمة تغيير قد يكون على وشك الحدوث. وفي هذا الصدد، قال ممثلون من المنظمات التي تعمل في مجال إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة الأخرى أنهم يأملون أن تسمح لهم التطورات السياسية الأخيرة ببدء العمل في أقرب وقت.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم إقالة الحكومة التي كان يسيطر عليها ضباط عسكريون سابقون وعاملون في الخدمة، في الانتخابات التي جرت في شهر نوفمبر، وشهدت فوز حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بقيادة أونغ سان سو تشي بأغلبية ساحقة. وهناك اتفاق جديد لوقف إطلاق النار – على الأقل على الورق – الذي يتطلب من جميع الأطراف التعاون بشأن إزالة الألغام وغيرها من الذخائر.

وفي هذا السياق، أخبرت إنجيبورج موا، المدير القطري للمساعدات الشعبية النرويجية، شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لدينا آمال كبيرة في الحكومة الجديدة، ونأمل أن تتعاون مع المنظمات الدولية مثل المساعدات الشعبية النرويجية، من أجل إزالة الأخطار الجسيمة التي تهدد الحياة والصحة التي تتمثل في الألغام الأرضية".

ما حجم المشكلة؟


تمزق ميانمار الصراعات منذ استقلالها في عام 1948، وقد خاضت طائفة من المجموعات العرقية المسلحة معارك مع الجيش من أجل الاستقلال أو الحصول على الحكم الذاتي في إطار نظام فيدرالي. وذللك زرعت تلك المجموعات المختلفة والجيش ألغاماً أرضية، ولكن لا أحد يعرف كم عددها على وجه التحديد.

ويُصنف مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية ميانمار في المرتبة الثالثة بعد كولومبيا وأفغانستان من حيث ارتفاع معدل الإصابة بالألغام، حيث تسببت في إصابة 3,745 شخصاً في الفترة ما بين عامي 1999 و2014.

وقال المرصد في تقريره الصادر في 10 نوفمبر: "على الرغم من ذلك، يُعتقد أنه جزء صغير فقط من العدد الفعلي، الذي يُقدره فريق "ميانمار خالية من الألغام" بأنه يتجاوز 40,000 شخص".

وتواجه أية محاولات لتحديد كم الخسائر البشرية عراقيل بسبب "عدم وجود آلية رسمية لجمع البيانات، نظراً لغياب أي شكل من أشكال الإبلاغ أو وسائل تبادل البيانات"، وفقاً لتقرير المرصد الذي ينشر من قبل الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية والائتلاف المناهض للقنابل العنقودية.

وأشار المرصد في تقريره السنوي لعام 2014، الذي نشر في شهر نوفمبر الماضي، إلى أن ميانمار كانت واحدة من 10 دول في تلك السنة التي استخدمت فيها مجموعات مسلحة من غير الدول الألغام المضادة للأفراد أو الأجهزة المتفجرة المرتجلة.

وعلى الجانب الحكومي، يدرج المرصد ميانمار إلى جانب الهند وباكستان وكوريا الجنوبية باعتبارها من البلدان التي تنتج الألغام الأرضية بنشاط. وقال المرصد أن الدول الوحيدة في العالم التي "استخدمت بشكل مؤكد" الألغام في عام 2014 هي سوريا وكوريا الشمالية وميانمار.

تفاؤل حذر جداً

من جانبها، قالت موا، المدير القطري للمساعدات الشعبية النرويجية، أن منظمات مثل منظمتها غير قادرة على إجراء دراسات مسحية لمعرفة عدد الألغام الأرضية التي تحتاج للإزالة، وأين توجد، لأن الحكومة والمجموعات العرقية المسلحة تريد التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار على الصعيد الوطني أولاً. وقد انقضت مواعيد نهائية عديدة قبل أن يتم التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار على الصعيد الوطني من قبل بعض الجماعات في شهر أكتوبر.

وقالت موا: "منذ اليوم الذي تم فيه توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، نعقد محادثات جديدة مع بعض المجموعات العرقية المسلحة حول إمكانية إجراء دراسات مسحية جديدة وإمكانية إزالة الألغام". وأضافت قالة: "لا نزال ننتظر حتى الآن أن تقود هذه المحادثات إلى إجراءات على أرض الواقع تمكننا من إجراء مسح لمناطق جديدة".

وهناك شكوك خطيرة بشأن مدى فعالية اتفاق وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، لاسيما أن ثماني جماعات عرقية مسلحة فقط من بين 15 مجموعة تمت دعوتها للتوقيع قد وقعت عليه، في حين لا تزال الحكومة منخرطة في صراع نشط مع عدد من الجماعات الأخرى. وهناك أمل في أن تبدأ الحكومة الجديدة بقيادة الرابطة الوطنية للديمقراطية مفاوضات سلام.

انظر: اتفاق وقف إطلاق النار في ميانمار: تقدم أم دعاية؟

وحتى إذا مضت المحادثات قدماً وحققت في نهاية المطاف ما يكفي من الأمن لبدء إزالة الألغام الأرضية، فسيكون الوقت قد فات بالنسبة لآلاف الضحايا.

وكانت الصدمة النفسية شديدة جداً على لو بن شينغ لدرجة أنه لم يتفوه بكلمة واحدة منذ تعرضه لذلك الحادث ويرفض حتى محاولة المشي على الرغم من أن الأطباء قد أخبروه بأن عليه القيام بذلك حتى يتعافى بشكل صحيح، وذلك بحسب والدته، تشن كونغ دي، التي تخشى من أن لا يتمكن ابنها من العودة لممارسة حياته بشكل طبيعي: "سوف يضطر إلى التغيب عن المدرسة، والآن لا يرى بعينه اليمنى ...لا أعرف ماذا أفعل؟"

aw/jf/ag-kab/dvh

"